لن أموت متشردا…قصة طفل صنع مجده

محمد عبد الله الكرناوي

“الشجرة الحنونة ” بني ملال التي ولدت في حضن الجبل لم تستطع أن تحتضن ” عز الدين ” في منزل من منازلها الدافئة ، هي بالذات المدينة التي نعتت قبل سنوات قليلة ب”القرية الكبيرة ” من طرف أعلى سلطة في البلاد ، هاهي تخلع عنها رداء القرية تراها تتجمل وتتعالى في البنيان طمعا في خطبة ود السائحين في الأرض الباحثين عن الجمال ، لكل جميلة عيوب وأقبح عيوب المدن متشردوها ، كذلك كتب لبني ملال نصيب من حروف التشرد ، ” عز الدين ” اسم جميل لطفل ازداد في الألفية الثالثة ، قدره لم يكن جميلا كاسمه ، قدره أن يتأمل نجوم السماء طول الليل لعشر سنوات مضت ويدعو ألا تسقط مطرا يبلل ثيابه الرثة ، حتى الشجرة المقابلة للكلية التي تخيلها كأمه الغابرة لم تستطع حمايته من عذابات الليالي الماطرة وصقيع الجبال المقابلة ، لسان حال الكادحين الباحثين عن لقمة عيش يحكي ” لكلٍّ عذاباته ” الشارع الذي اختاره الفتى وطنا للتشرد يمر منه الأستاذ الجامعي والطالب ، الأم ورجل الأعمال ، لكن كما يقول عز الدين لم يستطيعوا سؤاله عن عذاباته ، عذاب أن يفقد حضن الأسرة الدافئ وهو يرى أمامه أبا يرافق ابنه حتى يبلغ باب الكلية خوفا عليه من المجتمع المتوحش كما يردد غالبية الآباء ، للطفل الصغير كذلك عذاب أن يرى الكلمات ولا يفقه من حروفها شيئ ، فالجسد الذي بلا مأوى لا يمكن أن يستوعب الألف والباء ، حتى الاغتصاب كان مكتوبا في أقدار الفتى المنكوب ، طيف عز الدين غائب عن شارع الكلية !! “أين عز الدين ؟؟” الحارس الليلي الذي رسمت على محياه أهوال الليل يقول” بأن عز الدين منذ فترة قريبة تعرض لمحاولة اختطاف من طرف سائق سيارة مجهول ، لكن الخاطف تفاجئ بحضوري مما دفعه للفرار …”

من يدري ربما كان عز الدين الآن أعضاءا متفرقة تتعرض للمزايدة في سوق تجارة أعضاء البشر المزدهرة هذه الأيام. سعيد شاب من شباب المدينة يحكي ” لم نعتد منذ طفولتنا أن نرى هكذا صور أطفال متشردين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ، ساكنة مدينتنا لطالما لقبت بالضيافة والكرم فكيف يبيت فلذات كبدها في الشوارع ، فكرة إخراج عز الدين من مستنقع التشرد كانت تراود بعض شباب المدينة الغيور الذين عاشوا ألم تشرد عز الدين كل يوم طيلة سنوات ، يضيف سعيد : طرقنا جميع أبواب الجمعيات المدنية وبعض أعضاء الأحزاب السياسية لتكون الأجوبة بين تسويف ونفاذ مكان لعز الدين في أسرة الخيريات ، باب الكنيسة كان الوحيد الذي رحب بعيون عزالدين الذابلة .

صندوق تبرع لعز الدين كان كفيلا بوضع حد مع الأبواب الموصدة ، الفتى ابتكر شعاره الخاص في حربه ضد عنوان مرحلة حياته السابقة -متشرد- “لا تعطيني مانطة علمني كيف نشريها” على منوال المثل الصيني “لا تعطيني سمكة علمني كيف أصطادها ” هاهو عز الدين يتجول بعربته بين أحياء المدينة التي اشتراها بنقود التبرعات ، عربة مدفوعة بذراعي الفتى الهزيلة كتب عليها عبارة “تجارتي دفئ يدوم ” ، يبيع الجمال للفتيات ، مساحيق تجميل ، ملاقيط شعر ، وغيرها من متعلقات التجميل .

من قال يوما بأن المتشرد يمكنه أن يبيع الجمال . “أحلام تحت النجوم” هكذا يحكي عز الدين عن الأحلام : سأحاول أن اجتاز امتحان الابتدائي في القريب ، وأشتري في القريب منزلا صغيرا أضم فيه أمي إلى حضني علها تعود من مرضها العقلي وتعلم بأن عز الدين أصبح يكافح من أجل ألا يبيت في العراء .

ويأبى هذا العمل الصحفي إلا أن ينتهي على أنغام لهو موسيقي ليلي لبعض الطلبة في ساحة الكلية أيام الامتحانات بينما عز الدين يتمتم حروف الهجاء أمام عربته بسيطة الأشياء عظيمة المعاني ، الشيخ الستيني الذي جلس قرب عزالدين يعينه على صعوبة نطق الحروف لم ينسى أن يرفع معنويات الفتى “اقرأ يا عزالدين كي تصبح بطل المدينة في الغد القريب …”.

loading...

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق