البحث عن لوحة أو بداية الرحلة الداخلية قراءة في رواية “فتنة السنونو” لعبدالله لغزار

أنجزها الكاتب والصحفي: حسن اسماعيلي

في رحلة بحثه عن لوحة تتجاوز النموذج المدرسي، يركب البطل موج الصور المتداعية ليصل لمنبع النور، “صور تتدفق كالشلال”، ص:124. وعلى غرار ما يسميه المتصوفة بدوائر الارتقاء تبدأ الرحلة بتواتر الأدراج صعوداً وتتناثر الوجوه وتتراكم الصديقة منها وغير الصديقة، القريبة والبعيدة، المنتمية للماضي أو تلك التي تنتمي للحاضر.

يسوق النص في هذا الصدد في مقطع “صرخة مكتومة”، وهو عنوان فرعي، يحيل على لوحة ل”إدكَار مونش” سرداً حواريا تتقاطع خلاله على أرض تادلا مسارات نضالية ثلاث، انتهت بأصحابها إلى “الاندحار والفتور والخواء، ص: 147، والضياع، ضياع النفس في السجن: “سعيد الأعرج”، الطالب الملتزم والمدافع عن الأخلاق والشرف، و”سعيد” المغترب هنا وهناك، الفاعل الجمعوي، والناقد الفني العربيد الذي ترك قبره في فرنسا كما يقول، و”كليم الجوش” أيضا، و”سي اخليفة”، الشاعر والمعتقل السياسي السابق، شخوص كتبوا بحيواتهم جزء من تاريخ تادلا الجريحة، تادلا الاختطافات والاعتقالات القسرية، و”الرونو 4 البيضاء”… تادلا التي ستتوجع وستبكي كما تبكي الأمهات الثكالى لموت”سي اخليفة”.

العتبات النصية أو المداخل
على سبيل التقديم: من هو عبد الله لغزار؟
بادئ ذي بدء وبعيداً عما يمكن أن تثيره أعماله الحالية أو المستقبلية من نقاش وجدل، لا بد من طرح السؤال التالي: من هو فعلا عبد الله لغزار، وما هي حكايته، على الأقل كما يتبين ذلك ما بين سطور هذا المؤلف الذي نتناوله بالنقاش؟
طبعا لا ننتظر من السيرة المصاحبة للكتاب، ص: 2، الإجابة على تساؤلنا، لكن حتى ونحن نبحث في ثنايا الرواية، ورغم التقاطعات الممكنة بين سيرة الكاتب الذاتية وسيرة الشخصية الرئيس، لن نجد أكثر من شذرات تتناثر على امتداد النص وتفيد بكثير اختصار أن السارد والذي هو أيضا الشخصية الرئيسية، عضو في مجموعة دراسية بمدينة الدار البيضاء، اضطرته ظروفه بعد التخرج إلى الرجوع إلى مدينة “تادلا”، مسقط رأسه، محملا بهمه وبشغفه بالتشكيل وبالكتابة وبالفعل الثقافي.

في تقديرنا أيضا، لا يمكن الإلمام بغنى الشخصية إلا باستحضار كون الكاتب، كما السارد في كتابه، متثاقل في الكلام، لكنه متسام في الكتابة والتشكيل إذ ينحت فيما لا يراه الآخرون ويصور المجرد مهما اختفى، ليُخْرِجَ من الجسد، هوَسه الأول والأخير، تمثلات وظلال تجعل منه تيمة أساسية يطوعها كما يشاء في أعماله، ساقطا عليها ما يود تمريره دون أن يهتم بإخضاع خياله لسلطة الرقابة أو لسطوة الواقع، فغالبا ما تأتي أعماله منفلتة من قبضة المعقول وحكم المنطق، حالمة حيث لا يرى الناس أحلامهم. بل قد تكون صادمة وعنيفة وجريئة ومستفزة بشكل غير مسبوق، وهو العارف حق المعرفة ألا شيء في الواقع الثقافي والاجتماعي يهيئ المتلقي للانصراف عن الابتذال المعمَّم قسراً، كما يدرك أن النخبة الحالية بفعل التنميط والتحنيط تحولت لحمائم تغرد للحقيقة قبل الإنصاف، وللسلام قبل المصالحة. لذلك، ولغيره كثيراً، يصر الكاتب على توجيهنا إلى تلقي النص من خلال مرجعية استباقية، تركزت في عتبات متنوعة أشكالها، وحيل سردية، واحترازاً بلاغيا، إضافة إلى غلافٍ ولوحةٍ مُزيِّنِةٍ له من تصميم الكاتب نفسه.

ما هي إذن الإمكانات السردية التي تتيحها هذه المداخل؟
الغلاف
تغلب على أرضيته ألوان الأرض: البني بمختلف درجاته وتعدد إحالاته، كالجذوة والحراك والقوة، ويتوسطه سرب من طير السنونو، كما يحيل على ذلك اللونين الأبيض والأسود والجناحين العريضين، في إشارة إلى قوة الدفع والرفع اللازمتين للخلاص من جبروت الكمون والجذب للأسفل.
يرسم سرب الطير في تحليقه خطا عموديا ومسارا تصاعديا من أسفل اللوحة إلى أعلاها يكسران حالة الثبات، كما تمتد الأجنحة خارج الطوق البني الذي يضربه الإطار حول الأحمر المشتعل لساحة العرض.
لكن الرسم يثير الريبة بأسلوبه الفظ الغليظ، إذ تبدو الأجنحة أقرب منها لِمُجَسَّدٍ من ورق خشن أكثر منه رسم دقيق ومضبوط، يلتقط السنونو بواقعية، ويصوره في خفته ورشاقة طيرانه. يلاحظ أيضا أن السرب ينطلق من البني إلى البني.
خشونة وثقل رمح لا يدعان مجالا لأي تسام وكأننا بصدد إيحاء استباقي يوحي باستحالة تخلص الطير من إعاقة محتملة تحول بينه وبين إقلاعه، وهذا ما يذهب إلى عكس المصرح به في الإهداء الموجه لروح الفنان: محمد القاسمي، والذي يحدد المسار بين البني والأزرق. هل يعني هذا أننا أمام بداية يعنونها الفشل؟ فشل التحليق أو التحليق الفاشل؟

العنوان
يساهم “فتنة السنونو” في بعده المعجمي والتركيبي والرمزي كمدخل للنص في اغتناء الدلالة لما يُتِيحُه من تكثيف للمعنى.
لغوياً تعني كلمة: فتنة، حالة من الفوضى العارمة، والعطب الاجتماعي، يغيب فيه النظام والتعقل. كما تعني أيضا الابتلاء والامتحان والاختبار والحرق بالنار والصرف عن الشيء… وتعني كذلك الإغراء والغواية التي تبتلي الفنان حين يركب المغامرة بغية استكشاف عوالم الممكن من أجل الخلق والإبداع. عوالم قد تكون غاية في المتعة وقد تكون مغرقة في المحنة والمعاناة.

ل “فتنة السنونو” أيضا كعنوان وظيفتين: إخبارية وتحفيزية. تتمثل الأولى في اطلاعنا على مشروع الصديقين، المهدي وأحمد، اللذين ينويان إقامة معرض فني في مدينة يمكن التعرف عليها وتحديد موقعها على أرض الواقع – الدار البيضاء- وفي ذلك طبعا إضفاء بعض البعد الواقعي على النص.

وتكمن الوظيفة الثانية للعنوان في جذب الانتباه واستنفار اهتمام القارئ عن طريق التشويق الذي يدفع إلى طرح السؤال حول علاقة السنونو بالفتنة المفترضة، سؤال ستتناسل منه لا محالة أجوبة موغلة في التخيّل ويتحدد معها بالضرورة أحد أبرز مقاصد العتبات، ألا وهو أفق الانتظار.

الاحتراس البلاغي
نقرأ في ص:2، هذا الاحتراز الذي يتبع العنوان مباشرة، ويحتل من دون غيره صفحة كاملة: “هذا النص ليس سرداً واقعياً، لكنه نسج من الخيال”. ومعلوم أن الكاتب لجأ لهكذا احتياط بلاغي بعد أن أكّد على انتماء كتابه للجنس الأدبي الروائي على الغلاف، وبعدها على الصفحتين المواليتين، حتى يبعد المتلقي من تناوله ككتابة ذات طابع شخصي « écriture personnelle » أو كسيرة ذاتية « autobiographie »، وتأكيداً منه على الطبيعة التخييلية التخيّلية لما أنتجه تلافياً لكل تشابه أو تقاطع للشخوص والأحداث والأمكنة مع الواقع.

العتبة الثالثة
وهي عبارة عن إهداء موجه تحديدا ل”روح الفنان محمد القاسمي في سفرها بين البني والأزرق”. ولا يخفى على المتتبع أن المحتفى به في الإهداء فنان زَاوَجَ بين التشكيل والشعر وعاش متنقلا بين فتنة اللون وغواية النظم، وكأن ب عبد الله يتيمن بهذه الروح، ذات البعدين، كسند وإحالة تؤطر عمله وتنير طريق اغترابه في الكتابة سعياً وراء تعبير يغني آفاق تشكيله ويمنحه فرصة قصيدة تتسع لما يتفجّر بين أنامله من لون.
لكن إذا كان الغلاف على غرار اللوحة يجعل من البني الأرضي مرتكزا لانطلاق رحلة الروح، فإنه وخلافا لنفس اللوحة يتخذ من الأزرق السماوي كوة أمل وافق مبتغى.

العتبة الرابعة
وهي اقتباسات ثلاث، متوالية تحيلنا تِباعاً على ثلاثة أوجه من الفتنة: فتنة اللغة، وفتنة الحياة، وفتنة الجسد. إضافة إلى كونها تتصدر المؤلف، تغني هذه الاقتباسات النص بحمولته الدلالية الخاصة وتؤثر في القارئ بتوجيهه صوب الممكن الغير مفكر فيه.

أول الاقتباسات؛ ل”مالك حداد” الذي يصرح بعجزه عن التعبير بالعربية عما يشعر به بالعربية. هناك تعبير صريح عن عَدَم الْقُدْرَةِ عَلَى الاعتراف الناتج في أغلب التقدير من الإحراج الذي تتسبب فيه عملية البوح، والتي تظل تقليداً دخيلا يصعب الاستئناس به إلا إذا أحسنا وضع القناع تطبيقا لدرس العظيم شكسبير، والذي يوحي في كتاباته المسرحية بوضع القناع من أجل صدق أكبر، أو كما يجيب أحمد في ص:98، في سياق شرحه لأعمال صديقه المهدي: “لم تتحكم اليد في الحركة. فجاء الأثر منفلتا ومخلصا للحساسية الكبيرة التي تولدها الرغبة من شدة تعطشها للتحقق في صورة التمثال الذي يطل على نسخته من أعلى “… لا مناص إذن من الاغتراب لأن اللوحة المنشودة” (لوحة المهدي)، باب لا تدخله إلا وأنت مستعد لهضم الغياب والغوص فيه” ص:100.

ثاني الاقتباسات؛ ل”إبراهيم الكوني” يقول: “الأخطاء الصغيرة عندما تتكرر تؤدي إلى الموت”. قد يكون ما يذهب إليه السيد الكوني في استنتاجه على الأخص صحيح، لكن إذا نظرنا للخطأ من زاوية أنه خروج عن القاعدة والنمط وتكسير للمألوف ليس إلا. سيتخذ الموت مفهوما أقل مأساوية إذ سيفضي إلى ولادة منطق ومعنى مستحدثان، كما يذهب إلى ذلك السارد بقوله في ص: 5، ” بعد كل صدمة، كنا نراكم التجربة والخيبة معا ونطور النظر أيضا”.

ينطبق هذا المعنى بدءاً كذلك على محمد القاسمي بحكم أن إهداء النص الموجه لروحه يخلّد ذكراه ويحفظها بين الأحياء بعد غيابه، ويسري نفس الشيء على “سي خليفة” الذي قضى حياته “يجري ضد التيار كالسلمون”، ص:150، قبل أن ينال منه السجن والحزن والدخان والمرض، ويندحر نحو شيخوخته وحتفه، لكنه على غرار “مارا” الذي خلَّدَ موته الرسام الفرنسي “دافيد”، ستخلد موته وتناصره مدينة “تادلا” العنيدة بأكملها، وتمشي وراء جثمانه كما ستحلق أسراب السنونو عالياً، وهي تطلق من حين لأخر صيحات حزن وأسى. ص: 152.
ثالث الاقتباسات؛ وهو شذرات شعرية لعبد الله زريقة حيث نقرأ:
كيف لا تصبح يدك عاهرة / وأنت ترسم كل يوم

يا ميشيل أنج / أي نهضة غير نهضة الجسد

يكتب “عبد الله زريقة” عن الهامش المتاح من الحرية، ويكتب لغة المتروك كما يوسع الدوائر الضيقة وما تلا ذلك من قطع دابر الإيحاء الذي يثقل ذاكرة اللغة كلما غاص صاحبها في طفولة الأشياء.
في هذه الشذرة تنوب اليد كجزء عن الكل الذي هو الجسد وتشير ككناية إلى المتعة لكونها جسر واصل بين الراغب ومكمن الرغبة، ولا ضير إن وسمت بالعهر لأن الرغبة في الفن دائمة الحضور ومطلوبة بغض النظر عن لبوسها المتقلب.

من جهة أخرى أن الرغبة هي ما يذكي الانتصاب الذي هو إعلان عن تحول نوعي؛ ما كان للإنسان أن يتحرر لو لم تتحرر يداه وما كان ذلك سيتأتى لو لم تتنصب قامته وتنسلخ عن عَموديتها.

بعد إصرار الكاتب على توجيهنا إلى تلقي النص من خلال مرجعية استباقية، وبعد أن كوّنا فكرة وحددنا ولو بشكل عام أفق انتظار، هل يستجيب النص لتطلعاتنا؟

بداية الرواية وبداية الفتنة
يعلن النص انتماءه لجنس الرواية التي تبدأ وتبدأ معها الفتنة، بعد تخرج رفيقَا درب الدراسة « أحمد» و«المهدي» من مدرسة الفنون الجميلة، وبعدما تبخر أملهما في الحصول على وظيفة، وارتكنا لفكرة إقامة معرض لهما، اختارا له عنوان “فتنة السنونو”. ستتعدد المسارات لأجل التقاط مجرى زمني اجتماعي بخصائصه النفسية والعاطفية والتواصلية، وعلاقته بذاته وبالقيم قيد التأسيس. ويتناسل الوصف بما يميزه في هذا العمل الروائي من ذاتية مفرطة، ليلبس لبوسا غنائيا شاعريا، يقحم القارئ دون استئذان، في عوالم شخصيات لا تجانس طبقي بينها ولا فكري ولا اجتماعي، ولا تطابق ممكن في وجهات النظر بينها، إلا فيما تتميز به من سخرية لاذعة لا يستثنى من لذعتها أحد.

مهما اجتهدنا في تبيان أبعاده، لن نلم بما يتيحه هذا النص من تأويلات وقراءات، لكن بالنظر إليه في بنائه الدرامي وبالنظر إلى نسقه السردي، وجبت الإشارة إلى أنه لا يمكن الإلمام بتقنية الكتابة عند عبد الله لغزار إلا باستحضار العلاقة التي تجمع بين الحكي والجسد من جهة، وتلك التي تربط الصور(ة) بالجسد، من جهة ثانية. لا بد أيضا من الحرص على عدم الفصل بين هذا الثلاثي في تداخله وتشابك عناصره: يستحيل الحكي دون التحرر من ثقل البدن ولا يستقيم ذاك إلا باستعادة هذا الأخير لما يمنحه فتنته؛ بمعنى أن صورة الجسد كضرورة وجودية هي التعبير الأمثل عن الخفّة والسمو.

طبعاً، تتناسل السبل والوسائط وتتعدد التجارب بتعدد المغامرات التي يركبها “أحمد” والتي قد تكون جلسات خمر أو حشيش أو نوبات جنون، أو تجربة تجريد أو سبر أغوار اللامرئي، إلى غير ذلك من الوسائل التي تهدف الى تعطيل الحواس وفتح أبواب التيه على مصراعيه أمام كل ما يفك الفكر من عقاله، لكنها تساعد في مجملها على نمو السرد وتدفق مجرياته كشلال صور، ص: 124، وتُيَسِّر التداعيات الغنائية الهادفة إلى استرجاع صورة الأنا في الوجود، تلك الصورة/ الجسد، موضوع الافتقاد وهوس السارد ومصدر قلقه، حيث يقول: “كأعمى في غرفة بدون معالم، يمد يده بحثا عن أثار الزمن علها تدله على صورته الآن”. إن العلاقة الوحيدة في العتمة وفي الضياع بين الماضي والحاضر وبين الجسد والجسد، هي الجسد. صورتنا في الوجود. لأن الجسد المحكي صورة مستعادة للوجود، ولأن الحكي وحده يحرر من ثقل الأبدان، كما يؤكد “ازعيريطة” في ص:203، “ضحك واستطرد متهكما من السامعين الذين لم تحررهم الحكاية من ثقل الأبدان”، “لكن الإنسان ليس مجرد صورة” ص:97، لذا وجب سبر أغوار اللامرئي، وخوض تجربة التجريد الحر العفوي لتجاوز التجسيد المفتقر للقدرة التعبيرية وإقحام الحركة التي تكسر حالة الكمون وتضيء الأرجاء بنور صادق.

غالبا ما يجد أحمد ضالته في الخمرة لأنها أكثر ما يلاءم مزاجه المتقلب. فالثمالة تتيح لأحمد امكانية التصالح مع نفسه، على غرار ذلك المصارع الشرس الذي يمنح بنبل وهو في أوج تفوقه، فرصة الخلاص لغريمه. وحدها الثمالة تمكنه من الابحار بعيداً عن القبح والفظاعة صوب عالم البهجة والجلال.
لأحمد علاقة غريبة بالخمرة، بحيث لا ندري هل يحبها أَمْ يمقتها… فهو يعاملها كما يعامل نفسه لأنها في وجهها المشرق تصدح كأغنية فرح وكنور مشرق وتصعد عبر أدراج موارية الى العقل لتؤدي على شرفه رقصة الحرية العظيمة التي تنتابه حين تستبد به نشوتها.
حرية الابداع والخلق التي تغير اليومي المبتذل، بفعل كمياء الخمرة السحرية أو تحت تأثير المخدر، إلى دُرُرِ وصفٍ شاعري متفرد، يقول أحمد مشيراً إلى هذه اللحظة الابداعية الرفيعة المنفلتة من سلطة الوعي وسطوة الحواس: “خدر الحشيش ونور القمر الشفيف، صيّرا القبور في عيني كأحجار نفيسة ترصّع صدر أميرة فرعونية وهي مستلقية على ظهرها، هناك على خاصرة نهر تادلا”. ص:50-51. تادلا حيث تتولد مواقف صارخة ومتشنجة تنتج القرف، ومتناقضات تتشابك وتتداخل ممزوجة بالخشونة والتهور ومعلنة عن نفي العائلة وتفكك روابطها، وآذنة بأفول أبهى رموزها: “لقد اشتبكنا، فأخذت أشياء الغرفة تتطاير في كل الاتجاهات، تشتت زجاج البورتريه في كل الأرجاء. ووَجْهُ أُمِّنا تحول إلى أشلاء ورقية مثقبة تحت الأقدام”. ص:42.

لكن سرعان ما تتبع حالة الجنون هاته وموجة الحمق الناجمة عنه، حالة صفاء تكثف النص وتغذيه بإمكانات سردية غنية ومتعددة تروم استمالة مخيلة القارئ واستدراجها إلى طرح الأسئلة حوله، واستنطاقه وتَعِدُ بانفتاحه عبرها على واجهات جديدة تسمح بإعادة صياغته.

مجازات أدراج سلم يفضي إلى فناء وضاء
في رحلة بحثه عن لوحة تتجاوز النموذج المدرسي، يركب البطل موج الصور المتداعية ليصل لمنبع النور، “صور تتدفق كالشلال” ص:124، وعلى غرار ما يسميه المتصوفة بدوائر الارتقاء تبدأ الرحلة بتواتر الأدراج صعوداً وتتناثر الوجوه وتتراكم الصديقة منها وغير الصديقة، القريبة والبعيدة، المنتمية للماضي أو تلك التي تنتمي للحاضر.
الثنائيات
كما تساهم ثنائيات العناصر السردية من إحالات وأمكنة، وشخوص، وأزمنة، وفضاء داخلي، وفضاء خارجي، ومجموعات، أفراد معزولين، الدارالبيضاء/ تادلا، المدينة/ الغابة، الغرفة/ المقهى، الليل/ النهار، الجماعة/ أحمد،
الممانعون/ المطبعون، أنا / الآخر… وغيرها، سواء في عزفها المنفرد أو في تداخلها وتكاملها في إضفاء نكهة خاصة على رحلة البحث التي ينخرط فيها أحمد.
إننا أمام خَطْب جارف يجتاح النص ويتناسل في طيات الحقول الدلالية، التي تطفو على الحوارات مستغلة راهنيتها ودورها في الفحص عن سرائر الشخصيات وباسطة في مسرحة واقعية بليغة، ما تتخبط فيه حيواتهم من يأس وانسداد أفق.
ينمو النص كنسيج تشابكت خيوطه للتدليل بالثنائيات على التناقضات التي تمنحه إيقاعا ودينامية متميزين، وتدلل من جهة ثانية على الانتقال من المركز إلى الهامشي المحيط، ومن الواجهات الأمامية إلى كواليس الانكسار والإحباط والعبث، ثم إلى الموت. ولنا في سعيد وسي اخليفة خير مثال على ذلك. فكلاهما ينتميان لفضاء مدينة تادلة المؤثث برمزيتها وشحنة مدلولها. سي اخليفة مثقف ممانع ومناضل صلب وسعيد شاب تادلاوي، ظل صامدا ويقظا ومتشبثا بالأمل، قبل أن يئد القمع بذرة الحلم في دواخلهما ويهزم الخمر واليأس جذوة ونخوة المقاومة فيهما. أحمد كذلك شاب تادلاوي، سافر عبر زمن سردي في عالم الفن والإبداع، واستحضر فترات رقي واندحار من عمره، أنضجا لديه رؤيا وحلم بالتغيير قبل أن يستفيق على الحقيقة الصادمة لانتكاسة الواقع.

٨
اختلاف الاختلافات
يستحضر النص أسماء متعددة، علاوة على تلك الواردة في الاقتباسات وفي الإهداء، سواء المغربية ك أحمد الشرقاوي والجيلالي الغرباوي، أو العربية كمحمود درويش، أو الغربية كالفيلسوف نيتشه وحركة الدادائيين التي كان تريستان تزارا قد أنشأها في مدينة زوريخ عام 1916 وانضم إليها لويس أراغون وأندري بروتون الذين أصدروا صحيفة «الأدب» ما بين عامي 1919 و1921 لتكون منبراً لآرائهم الجريئة وقصائدهم، وتنفسح من ثَمَّ للحركة السريالية المتحدِّرة منها والمغني جاك بريل وفرانسيس بيكابيا، رسام فرنسي، كان أفضل من جسّد روح القطيعة والرفض في تاريخ التصوير في القرن العشرين، وفي عِداد روّاد الفن الحديث، وبيير باولو بازوليني، شاعر ومفكر ومخرج أفلام وكاتب إيطالي، أغلب أفلامه مثيرة للجدل، مات مقتولا ًبعد أن وُصف بأنه “شيوعي قذر”. وبيكاسو الذي اقترن اسمه بولادة التكعيبية، كبداية مرحلة جديدة في تاريخ الفن المعاصر، والذي لم يكن فنانا لأجل الفن ذاته، إنما خلق فن جديد من هالة الزمان والمكان وقتها، ليظل الأثر على مر العصور ثابتًا، مختومًا بتوقيع الصورة البصرية لرمزيته، وفان كوخ، الرسام الهولندي، الذي كان مصنفا كأحد فناني الانطباعية، عانى من نوبات متكررة من المرض العقلي وأثناء إحداها، قطع جزء من أذنه اليمنى. كان من أشهر فناني التصوير التعبيري. اختار هذا التوجه للتعبير عن مشاعره وعاطفته، وأندي وارول، وبودلير مؤلف قصيدة “النورس” ومفهوم التقابل: les correspondances ، وكدانسكي صاحب كتاب “الروحانية في الفن”، ودافيد مبدع لوحة “موت مارا” وصاحب أعمال فنية كانت تحمل تحريضاً على الثورة وحماسة ما بعدها من حماسة إلا الفعل الثوري، وغيرهم كثير، يجمع بينهم سؤال تمحور حمل الإنسان رغم اختلاف المقاربات، كما تقربهم الرغبة في التخلص من إرث عقلانية عدوانية أدت إلى حربين كونيتين.

لكن ورغم غنى كل هذه الإحالات والمرجعيات فان أحمد ظل متشبثاً باختلافه، حاضناً لحلمه ومتطلعاً في بحثه للوحة متفردة، أو كما يسميها: “إمكان بصري تتحقق فيه الذات خارج أي قول”، ص: 96. وبقي منشغلا بتبيين معالمها، ص:105، ورافضاً التشبّه بأي كان إذ يجيب عن سؤال أحدهم: “ترسم كفريد بلكاهية…؟” بمتوالية من اللاءات، تكون فرصة لوضع مسافة بينه وبين أسماء تربعت منذ مدة على عرش الإبداع، ص:217،” ابتسمت وقلت في نفسي: ولا مثل الشعيبية ولا بيكاسو، ولا مثل صلادي، ولا قاسي، ولا الشرقاوي، ولا حميدي، ولا بلامين، ولا القاسيمي، ولا ربيع، ولا الغرباوي، ولا قادف، ولا البوجمعاوي، ولا شبعة ، ولا كلي، ولا كادانسكي، ولا ماتيس…”.
لا يولي النص كثير اهتمام لنتيجة البحث هذا بقدر ما يسلط الضوء على الرحلة نفسها حتى يمكننا من تتبع ميلاد فنان وتدرجه نحو النضج والاكتمال.

انفجار المجموعة أو بداية الرحلة
يمكن اختزال الحكاية في مشروع انجاز معرض فني بين خمسة شبان كانوا يتابعون دراستهم بمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، وانخرطوا كل من جهته في إنضاج موقف ممانع ينتقم لهم من مجتمع إقصائي للفكر وللفن ويستند إلى توجه دادائي النفس، غرباوي الروح، وغارف من جذوة الحركة الطلابية.

لكن حدث وافترقت بهم السبل وعبثت الظروف بأحلامهم كمجموعة بعد جلسة مسامرة: ” تلك الليلة تقاذفتنا الحانات، وفي الغد فرقتنا السبل”، يقول السارد في ص:13.
ستختلف المسارات من بعد، ويظل التدمير الذاتي واحد.
أما “زهير” فسيختار الانتحار كرد فعل مدمر للذات وللمسار، في حين سيسلك كل من “عامر” و”رؤوف” طريقهم إلى الهجرة ليرتموا في أحضان فرنسا وإيطاليا كأوطان بديلة، وسيظل “أحمد” و”المهدي” الوحيدين المتشبثين بالفكرة في انتظار إمكانية تحققها.
يعيش البطل حالة عطالة، وهذه “العطالة” فرصة للتأمل لا يمنحها العالم الخارجي، هكذا يحاول نقل اللوحة موضوع البحث” من “منفاها” التشكيلي إلى اللغة والكتابة، وذلك ببقائه وفياً للأسلوب الفني الذي يشير ولا يصرّح، من خلال خلوته في غرفته فوق السطح، أو هناك في الجبل في قرية ‘القصيبة”، قريبا من الأنثى ومن الإلهة، بعيداً عن ثقل الأبدان، أو في هروبه إلى ضيافة “باخوس” في غويبة “قواواش”، “مكان السهرات وماحيا والحشيش” ص: 49، على ضفاف نهر أم الربيع، أو في انطوائه تحت تأثير المخدر حول ذاته، أو بقرع أبواب “الجنون” مستحضراً تجارب مختلفة، حاولت من خلال تعطيل الحواس المؤقت، سبر أغوار العوالم الموصدة، في الخلق، وفهم ميكانيزماتها قبل تملكها لتخصيب وإصلاح عطب التمدن المتوحش والعقلانية المدمرة.
من جهة ثانية سيرتمي في أحضان الرواية إعمالا بنصيحة سعيد الذي قال: “إن اغلب الرسامين المرموقين كانوا قراء جيدين”، ص: 88. وحتى يبقى وفياً لرؤيته في التشكيل التي تروم تحرير الضمير من الخوف وهو يعبّر عن وجوده، خاصة وأن هذا الانفتاح سيقترن بسحر أدب السجون إلى درجة الألم الذي يستوطن المخيلة، ص: 88. لذلك فإنه من التعسّف أن نقرأ ملامح شخوص الرواية بعيداً عن كونها ملامح وطنٍ يُصارع ذاته من أجل ألاّ تستسلم، أو تتردّد، أو تخاف، أو تساوم، أو تنسى قبل أن تحصّن الحاضر وهي تتطلع للمستقبل.

سيكتب عبد الله عن الهامش المتاح من الحرية، بلغة المتروك، حيث يلجأ، كلما غاص في طفولة الأشياء، لتوظيف المستويات اللغوية في غناها وتشعبها كما يوسع الدوائر الضيقة وما تلا ذلك، بتخليص الدوال مما يثقل ذاكرتها من إيحاءات لغوية وسردية، ويستعيد/ يعيد بناء ذاكرة الجنوب، عندما يسترد مرة واحدة مخبوء الشعر والسرد المكتومين فيه، ويفجرها بشكل إبداعي مذهل، يَرُدُّ لتادلا في عريها البدئي، في لحظات مكاشفة قاسية لا يخفف من قسوتها إلاّ روعة وجماليات الكتابة، اعتبارها المفقود.

loading...

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق