“غطيني يا صفية مفيش فايدة”

محمد أحداد

لماذا يصلح قانون الصحافة الجديد بالمغرب؟ للاشيء. لقد صار بوسع الجميع أن يجر الصحافيين إلى المحاكم ولو باستعمال قانون مقالع الرمال والالتزامات والعقود وشغب الملاعب. كل شيء قابل للتكييف، وكل المقالات قابلة للتكييف وللمتابعة لذلك من الأجدى أن نلجأ إلى لغة ابن المقفع القديمة، ونستعير قاموس الحيوانات عله ينقذنا من الخطوط الحمراء والصفراء التي صارت مكثفة.

الصحافة أصبحت مهنة عالية المخاطر، بل وصارت مطية لتصفية الحسابات بين السياسيين، وبينما كنا نأمل أن تكون النيابة العامة في صف الصحافيين- في المحاكمة الأخيرة التي حركها بنشماس-، وتدافع بشراسة عن حرية التعبير وعن مغرب العهد الجديد، وقفت إلى جانب السياسيين والتمست السجن لصحافيين اتهمهم عزيز بنعزوز بنشر أخبار صحيحة..

القانون قابل للتمطيط لذلك فالأوهام المزدهرة التي روج لها مصطفى الذي ظل لشهور ينتشي بمدونة النشر التي زعم أنها لا تقود للسجن أًصبحث مضحكة..وكنا نحن جماعة الصحافيين “العراة” نسخر من هذه النكتة السمجة لأن القانون في المغرب يتمطط ويتمدد ويتقلص حسب الظروف والسياقات..ولأن السياق كان صراعا بين حزبين هما البام والبيجيدي حول من يتزلف أكثر للسلطة فقد قررت جماعة على طريقتها يقودها عزيز بنعزوز رئيس لجنة تقصي الحقائق حول صندوق التقاعد رفع تقرير لحكيم بنشماس يتوعد فيه الصحافة والصحافيين وما كان من الرئيس المنتخب سوى أن يبعث برسالة إلى وزير العدل الذي كان رئيسا للنيابة العامة كي تحقق في هذا الخطر العظيم الذي يتهدد الأمة: نشر أخبار صحيحة قبل أن يقرر وكيل الملك متابعة كاتب هاته السطور وثلاثة صحافيين آخرين بالقانون الجنائي.

قمة السخرية أن هؤلاء الذين حركوا مسطرة المتابعة ضد الصحافيين بدعوى إفشاء أسرار لجنة تقصي الحقائق هم أنفسهم من كانوا يتصلون بالصحافين قبل سنوات كي ينشروا خلاصات حول لجنة تقصي الحقائق حول “مغرب تصدير”، واليوم فقط بدا لهم أنهم يطبقون القانون..ولو كان القانون حقا يطبق في هذه البلاد لكان جزء كبير ممن حركوا المتابعات ضد الصحافيين في السجن منذ زمن بعيد…

المسؤولون في هذه البلاد لديهم قناعة راسخة بأن الصحافي هو الحائط الأقصر وإذا لم يرد أن ينخرط في قواعد اللعبة وأن يقبلها مرغما، فإن مصيره هو “التكييف القانوني” وهكذا تتلون مدونة النشر بفصول القانون الجنائي..ولا حرج..المهم يجب أن ينتمي إلى جماعة الخانعين الذين يطلب منهم ما تجب كتابته.

يقول بنعزوز، رأس الحربة في الدعوى ضد الصحافيين وزميله البرلماني إن القرار اتخذ بالإجماع من لدن اللجنة، وإنه ليس أبدا قرار فرديا أو مقصورا على حزب سياسي.. وهذا، بطبيعة الحال، هو ذلك النوع من الخداع الذي يمكن الكشف عنه بسهولة بالغة لأن القرار يتجاوز اللجنة ببساطة، حيث إن “البام” كان يريد رأس بنكيران وإظهاره أمام الشعب كمسرب للأخبار وعلى أنه هو من يخل بسرية البحث وأنه هو مصدر كل شرور الدنيا.. ذهب بنكيران إلى منزله بحي الليمون وذهب الصحافيون إلى المحكمة وبنعزوز مايزال يردد الأسطوانة المضحكة: القرار اتخذ بالإجماع هكذا ضاع الصحافيون الذين يشتغلون في حقل شاسع من الألغام بين حسابات السياسيين التافهة والباعثة على الاشمئزاز، وهكذا يستهتر مسؤولون بمصير وصورة البلد.. إنهم جيش من الباحثين عن المصالح، الذين وجدوا أنفسهم بغتة يتقلدون مناصب المسؤولية في غياب المحاسبة الحقيقية.. بعضهم أوصلته الهواتف وبعضهم الآخر أوصلته الانتخابات المعطوبة إلى الإمساك بدواليب القرار السياسي. لكن ما لا يعرفه بنشماس وبنعزوز أنهم سيرمون في الأخير على قارعة النسيان السياسي، أما الصحافيون فيخلدون بأعمالهم، ولا يسعنا سوى أن نردد مع سعد زغلول ما قاله لزوجته: “غطيني يا صفية مفيش فايدة”.

loading...

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق