خلافات بين الجيش والأمن بالعراق حول التعامل مع المتظاهرين..

خلافات بين الجيش والأمن بالعراق حول التعامل مع المتظاهرين..

وصلت الاحتجاجات العراقية لمستوى خطير في ظل تخبط النخبة الحاكمة في في التعامل معها وسط خلافات بين الجيش والشرطة في التعامل مع المتظاهرين.

وبدأت الاحتجاجات العراقية قبل حوالي شهر في صورة مظاهرات هادئة متفرقة، لكنَّها توسَّعت باطِّراد حتى الأسبوع الماضي الذي شهد تظاهر أكثر من 200 ألف عراقي في بغداد ضد الحكومة العراقية والمحتل الأجنبي، الذي لم يكن الولايات المتحدة هذه المرة، بل إيران.

وبينما يمكث قادة الحكومة العراقية مرتعدين داخل المنطقة الخضراء، حيث كان المسؤولون الذين يديرون الاحتلال الأمريكي يحتمون يوماً ما، يصب المحتجون في الخارج غضبهم على جمهورية إيران الإسلامية، التي يرون أنها أصبحت تمتلك نفوذاً أكبر من اللازم في بلادهم، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The New York Times الأمريكية.

وكان يهتفون: «حرروا العراق، فلتخرج إيران».
جزء من ثورة شيعية ضد إيران

في شوارع العاصمة العراقية بغداد وساحاتها، ومدينة كربلاء المقدسة -حيث ألقى المحتجون يوم الأحد الماضي 3 نوفمبر/تشرين الأول قنابل البنزين على القنصلية الإيرانية- وفي الأزقة الجانبية وأروقة الجامعات، يدور صراع حول من سيُشكِّل مستقبل البلاد.

وتعد الاحتجاجات العراقية، إلى جانب مظاهرات لبنان -وهو بلدٌ آخر به نسبة كبيرة من الشيعة غمرته الاحتجاجات- جزءاً من ثورة متناميةٍ ضد جهود إيران التي يهيمن عليها الشيعة لإظهار قوتها في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

إذ قال سعد إسكندر، الرئيس السابق لهيئة المحفوظات الوطنية العراقية: «الثورة ليست معادية لأمريكا، بل معادية لإيران، ومعادية لخلط الدين بالسياسة، وليست معادية للدين في حد ذاته».

وأضاف أنَّ المحتجين سئموا الفساد والميليشيات الشيعية، التي تحوَّل بعضها إلى عصاباتٍ تمارس الابتزاز. والأكثر من ذلك، أنَّها «ثورةٌ لها بُعدٌ اجتماعي. ففي العراق، دائماً ما كان حب الوطن شأناً سياسياً، لكنَّ العدالة الاجتماعية أصبحت أحد عناصره الآن».

وصحيح أنَّ غضب المحتجين موجَّه مباشرةً نحو إيران، لكنَّ المعركة أكبر من ذلك. فهي صراعٌ بين الشباب العراقيين وجيلٍ أكبر سناً وأكثر حذراً، بين نخبةٍ سياسية ومجموعةٍ صاعدة ترفض قيادتهم.

والأهم من هذا وذاك أنَّها صراعٌ بين أولئك الذين يجنون مكاسب كبيرة منذ الغزو الأمريكي الذي أطاح الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وأولئك الذين يواجهون صعوبةً في توفير سبل العيش ويشاهدون في غضبٍ الأحزاب السياسية، التي يرتبط بعضها بعلاقاتٍ مع إيران، وهي توزِّع المكاسب على الأشخاص ذوي الأقرباء النافذين.
إنها أول ثورة عراقية عظيمة منذ 100 عام

من جانبه قال ليث كبة، أحد مستشاري الحكومة العراقية: «اندلعت آخر ثورةٍ عراقية عظيمة منذ 99 سنة بالضبط، لقد كانت ثورة عراقية خالصة».

وصحيحٌ أنَّ ثورة عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني هُزِمت في نهاية المطاف، لكنَّ المشاعر التي حرَّكتها، والمتمثلة في رفض النفوذ الأجنبي، ما زالت متأصلة في النفس العراقية. فمنذ قرن،

كانت الثورة موجهة ضد النفوذ البريطاني، وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت القومية العراقية موجهة ضد الأمريكيين. والآن، أصبحت تلك المشاعر موجهةً ضد إيران.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ النظام الذي جرى تطبيقه بعد غزو عام 2003 كرَّس نظاماً لتقسيم السلطة السياسية على أسسٍ دينية وعرقية، مع أنَّ العراقيين هم الذين صاغوه والأمريكيين هم الذين مكَّنوه. وقد استغلت إيران ذلك الإطار، مستخدمةً إياه في إقحام نفسها في السياسة العراقية.

ومع انسحاب الولايات المتحدة من العراق بعد عام 2009، وسَّعت الأحزاب المرتبطة بإيران شبكاتها داخل الحكومة. وفي عام 2014، حين غزا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) العراق، كانت إيران هي التي سارعت إلى إنقاذ البلاد، حيث ساعدت في تشكيل ميليشياتٍ لمحاربة مقاتلي التنظيم، وبحلول العام الماضي 2018، أصبحت هذه الميليشيات قويةً جداً لدرجة أنَّ الأحزاب السياسية المرتبطة بإيران أصبحت صاحبة القرار في الحكومة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الجنرال الإيراني ذا النفوذ قاسم سليماني، رئيس فيلق الحرس الثوري الإسلامي، هو الذي توسط في الاتفاق الذي أسفر عن إقامة الحكومة العراقية الحالية.
هل هناك مبالغة في تقدير استفادة إيران من هيمنتها على العراق؟

وفي الوقت نفسه، كان هناك شعور متزايد على المستوى الشعبي وبين شباب العراق بأنَّ إيران تستفيد على حساب بلادهم. ومع أنَّ هذه الشكاوى مبالغٌ فيها في كثيرٍ من الأحيان، فقد أصبحت جزءاً من الخلفية السياسية للاحتجاجات.

إذ قال علي جاسم، وهو عامل بناء عراقي، بينما كان ينظف عينيه من الغاز المسيل للدموع أسفل جسر الجمهورية، حيث تتركز معظم المظاهرات: «كل ميزانيتنا تذهب إلى إيران لدعم» الحرس الثوري.

وأضاف: «جميع الوزارات، وجميع المنشآت المدنية في العراق تديرها إيران.. (لكنَّ) جوازات سفرنا ما زالت غير معترف بها في جميع البلاد الأخرى تقريباً. نريد التخلص من هذه الحكومة، نريد عودة بلدنا، نريد رئيساً مستقلاً».

فيما قال محمد الأمين، وهو طالبٌ في السنة الثانية بكلية الطب يعمل في أحد المستشفيات الميدانية، ويعالج المتظاهرين الذين يتعرضون للغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل الحار: «حين كنا صغاراً، كان أباؤنا وأمهاتنا يقولون لنا: «اسكتوا، الجدران لها آذان.. ولكن الآن، أصبح لدينا الإنترنت، وسافرنا إلى دول مختلفة. لقد صار بإمكاننا رؤية الأوضاع في العالم الخارجي، وأصبحنا نريد حياة مختلفة. نريد أن نكون مثل الدول الأخرى، نريد حقوقنا».
الساسة مرتبكون ويحاولون امتصاص فورة المحتجين

وتبدو مطالب المتظاهرين، المتمثلة في التخلص من الفساد، وإنهاء هيمنة الأحزاب السياسية، وإنشاء نظام رئاسي بدلاً من النظام البرلماني، معقولةً لكنَّ تحقيقها يكاد يكون مستحيلاً، على الأقل من دون إراقة الدماء.

وما يجعل تحقيقها أصعب أنَّ المتظاهرين يطالبون بنتائج فورية على نحوٍ متزايد، كما لو كانوا يرغبون في رؤية نواب البرلمان والوزراء يحزمون حقائبهم، ويغادرون منازلهم الفارهة في المنطقة الخضراء ويختفون تماماً.
ويدرك هؤلاء الساسة الذين يرغبون في التلاعب بالمحتجين أنَّ التغييرات الجذرية التي يطالبون بها -من وضع قوانين جديدة للانتخابات وإجراء انتخابات جديدة ووضع دستور جديد- لا يمكن تحقيقها بين عشيةٍ وضحاها. لكنَّ أسلوبهم المنهجي يُحبِط المحتجين الذين نفد صبرهم ويستعجلون رؤية التغييرات.

وصحيحٌ أنَّ الرئيس العراقي برهم صالح يحاول اتخاذ خطواتٍ في هذا الاتجاه بإدخال تشريعات من شأنها القضاء على النظام الحالي المتمثل في قوائم الأحزاب، والسماح للناخبين بالإدلاء بأصواتهم للمرشحين الفرديين المستقلين، لكنَّه بذلك يطلب من البرلمان اعتماد نظامٍ سيجعل العديد من أعضائه يخسرون مقاعدهم.

وشهد مساء يوم الجمعة الماضي 30 أكتوبر/تشرين الأول تجمُّع أكبر حشود في التاريخ العراقي الحديث في احتجاجاتٍ سلمية، لكنَّها صاخبة، ضد الحكومة العراقية، وأحاطوا المباني الحكومية كلها حاملين الأعلام العراقية. أمَّا داخل المنطقة الخضراء، كان بيت الضيافة الذي يضم مقر رئاسة الوزراء هادئاً كمكتبة. فيما كان بهو الاستقبال الواسع ذو الأرضيات الرخامية نظيفاً ولامعاً للغاية، حيث تجمَّع فيه بضعة رجال على الأرائك الفسيحة للتفكير في وضع البلد، بينما كان هناك نادل يقدم الشاي والقهوة. وبدا الأمر كما لو أنهم ليسوا في عجلةٍ من أمرهم على الإطلاق.

وصحيحٌ أنَّ هذين المكانين -داخل المنطقة الخضراء وخارجها- لا يفصلهما سوى حوالي كيلومتر ونصف، لكنَّهما ظهرا كما لون أنهما في عالمين منفصلين تماماً. لذا من الصعب رؤية كيف سيستطيع العراقيون التوفيق بين المشاعر المعادية للنخبة والمعادية لإيران والمعادية للنظام الحزبي في الشارع ومواقف أولئك الذين يستفيدون من النظام.
عالمان منفصلان

وفي هذا الصدد، قالت ماريا فانتابي، المحللة البارزة المتخصصة في شؤون العراق في المجموعة الدولية للأزمات: «هناك ثلاثة أطراف: المستوى السياسي والشارع والمؤسسة الأمنية، وكل واحدٍ من هذه الأطراف مشغولٌ للغاية بنفسه».

وأضافت: «فالمحتجون، على سبيل المثال، يحتفون بشعور الحرية ويشعرون بالتمكين في الأجواء التي خلقوها. ولا يقتصر ذلك على الشبان فحسب، بل يشمل لأول مرة شاباتٍ وفصائل أخرى في المجتمع».

وذكرت أنَّ المتظاهرين «لا ينظرون إلى الهدف النهائي. لكنَّهم يحتفلون بأنهم خلقوا هذا الحراك».

وكذلك فأفراد الطبقة السياسية لا يتحدثون إلَّا إلى بعضهم البعض في الغالب، ولا يخاطبون المحتجين، وكثيراً ما يلومون بعضهم البعض على الوضع الحالي. ولعل أبرز مثالٍ على ذلك هو أنَّ البرلمان لم يجتمع سوى مرة واحدة أو مرتين لمناقشة التشريعات التي قد تستجيب لمطالب المتظاهرين.

وفي هذا الصدد، قال إسكندر، الرئيس السابق لهيئة المحفوظات الوطنية: «إنهم يحاولون كسب بعض الوقت»، مشيراً إلى أنَّ معظم الساسة ما زالوا يأملون في أن تزول المظاهرات بهدوء دون أي عواقب.
وواجه رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي انتقاداتٍ لسماحه لقوات الأمن بمحاولة قمع الاحتجاجات بالقوة.

ففي الأسبوع الأول من الشهر الماضي أكتوبر/تشرين الأول، قُتِل ما يقرب من 150 محتجاً، بعد إصابة معظمهم بالرصاص، فيما أصيب حوالي 5500 شخص، بينهم أكثر من 1000 من أفراد قوات الأمن، وفقاً لتحقيق حكومي في هذه الحوادث.

وقد دفع سوء التقدير ذلك عشرات الآلاف من الناس إلى المشاركة في الاحتجاجات. واحتشد المحتجون في مظاهراتٍ يتراوح حجمها بين 20 ألفاً و25 ألفاً في المحافظات المختلفة في البلاد وحوالي 200 ألف في العاصمة.

واندلع العنف مرةً أخرى يوم الإثنين 28 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إذ أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين حين كانوا يحاولون عبور جسر الأحرار في بغداد، مما أسفر عن مقتل خمسة أشخاصٍ على الأقل.
محاولات إصلاح خجولة

واتخذ رئيس الوزراء، الذي تستهدفه الكثير من الانتقادات، خطواتٍ لتحسين حياة العراقيين، وتوسيع نطاق خدمات الكهرباء وتعزيزها، وتحسين العلاقات مع أكراد العراق وإزالة الجدران المضادة للانفجارت التي قسَّمت الكثير من مناطق بغداد. لكنَّه ما زال قائداً ضعيفاً يدين بمنصبه لاتفاقٍ سياسي صاغت إيران معظم بنوده، وتقبَّلته واشنطن.

لذا، فبينما تمكن مهدي من تعيين مسؤولين تكنوقراطيين في وزارتي الكهرباء والنفط، تسيطر الأحزاب المرتبطة بإيران على خمس وزارات رئيسية على الأقل، بما في ذلك وزارات الداخلية والاتصالات والعمل والشؤون الاجتماعية. وهذا يتيح للمرتبطين لها الوصول إلى آلاف الوظائف بالمحسوبية والعقود والمنح، ويولِّد الفساد الذي ينتقده المحتجون.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الفساد صار مستوطناً، بل وموجوداً حتى في تلك الوزارات التي ينظر إليها على أنها تحظى بإدارةٍ جيدة.

إذ قال محي الدين فاضل (30 عاماً): «لقد تخرجت في كلية الهندسة، ولكن عندما تقدمت لوظيفةٍ في وزارة النفط، طلبوا الحصول على 7500 دولار. والآن أعمل عملاً حراً في مجال الإنشاءات«.

وفي مظاهرات يوم الجمعة الماضي في ميدان التحرير ببغداد، رفع بعض الشبان لافتةً بيضاء تحمل صوراً لعلي خامنئي المرشد الأعلى الإيراني، والجنرال سليماني، وعليها علامات X باللون الأحمر.
انقسام بين الجيش والأمن

وعلى صعيدٍ آخر، هناك عدة انقساماتٍ بين قوات الأمن نفسها: بين ضباط الرتب الدُنيا وضباط الرتب الأعلى، وبين الضباط التابعين لوزارة الدفاع وأولئك المنتمين إلى وزارة الداخلية التي تضم قادة مُقرَّبين إلى إيران، بالإضافة إلى انقساماتٍ أخرى على نطاقٍ أصغر.

وقد أدت هذه الانقسامات إلى نشوب خلافات بين الأجهزة الأمنية حول كيفية مواجهة المتظاهرين، الذين استولوا على مبنى يُطل على جسر الجمهورية.

إذ رفض الجيش العراقي الموافقة على خطةٍ لتطهير المبنى، مع أنَّه يمنح المتظاهرين وضعاً عالياً مثالياً لإلقاء قنابل البنزين دعماً لسعي زملائهم المحتجين إلى عبور الجسر والوصول إلى المنطقة الخضراء.

إذ يخشى ضباط الجيش من إراقة مزيدٍ الدماء مما قد يثير احتجاجاتٍ أكبر. وقال مسؤول عسكري كبير، متحدثاً عن الخطة المقترحة لتطهير المبنى: «ليست هناك حاجة إلى تحويل هذا الأمر إلى مشكلةٍ كبيرة باقتحام المبنى. لا يمكنكم أن تتخيلوا كيف ستكون ردة الفعل».

وأعلنت القنوات الإخبارية العراقية في منتصف ليل الإثنين من الأسبوع الماضي أنَّ الحكومة قطعت الإنترنت. ولم يكن هناك أي تفسير لتلك الخطوة، لكنَّ المسؤولين قطعوه كذلك في أوائل أكتوبر/تشرين الأول، حين اعتقدوا أنَّ الاحتجاجات خرجت عن السيطرة.

ومع أنَّ الحكومة أعادت خدمات الإنترنت تدريجياً، ما زالت تحظر تطبيقات شبكات التواصل الاجتماعي بما في ذلك تطبيقات فيسبوك وتويتر وواتساب منذ بداية الاحتجاجات.

ومن غير الواضح إلى متى سيبقى المتظاهرون في الشوارع. ويعتزم أولئك الذين يذهبون إلى ميدان التحرير كل يوم رابطين الأعلام العراقية حول أعناقهم، مثل أبو جمال (40 عاماً)، الذي يعمل خبَّازاً، البقاء في الشوارع ما لزم الأمر.

إذ قال: «يمكنني أن أتظاهر يوماً، أو يومين، أو أسبوعاً أو سنة أو حتى 500 سنة».

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق