السياسية

من هو الرئيس الجديد؟

✍️ بقلم: د. امحمد أقبلي

يثار، داخل الفضاء السياسي والحزبي، سؤال من سيقود حزب التجمع الوطني للأحرار مستقبلاً، خلفًا للسيد عزيز أخنوش. وهو سؤال مشروع في ظاهره، لكنه يصبح إشكاليًا إن أُفرغ من عمقه، أو أُدير بمنطق الأشخاص بدل منطق الوظائف، وبمنطق التموقع بدل منطق القيادة.

في علم السياسة، لا يُطرح سؤال الخلافة في الأحزاب الكبرى باعتباره مسألة أسماء، بل باعتباره سؤال نموذج قيادي (Leadership model). فاللحظات الانتقالية، خصوصًا بعد تجربة حكومية كاملة، لا تُدار بالانطباع ولا بالمجاملات، بل بتحليل عقلاني يستحضر ما يسميه ماكس فيبر شرعية الإنجاز (Légitimité par les résultats) بدل شرعية الخطاب أو الرمزية التاريخية.

ولا يمكن فتح هذا النقاش دون الوقوف عند تجربة السيد عزيز أخنوش، الذي رفع من مكانة حزب التجمع الوطني للأحرار عبر منهجية علمية في الفعل السياسي، انتقلت بالحزب من منطق المدن إلى منطق الثقة، ومن بناء الثقة إلى منطق الإنجاز، ثم إلى ربط الإنجاز بأفق التنمية. هذه السلسلة، التي قد تبدو بديهية في ظاهرها، هي في الواقع جوهر أي politique publique efficace، وقد مكنت الحزب من التحول من فاعل سياسي تقليدي إلى تنظيم يقود الحكومة ويتحمل كلفة القرار.

هذا المسار جعل من مرحلة ما بعد أخنوش مرحلة بالغة التعقيد. فالرئيس المقبل لا يخلف شخصًا فقط، بل يخلف طريقة في التفكير والتدبير، وهو ما يجعل مهمته صعبة، ليس بسبب الفراغ، بل بسبب الامتلاء. فالانتقال من قيادة صنعت الثقة وراكمت الإنجاز إلى قيادة جديدة، يتطلب مستوى عاليًا من النضج التنظيمي، والقدرة على الاستمرار دون الوقوع في الاستنساخ أو التقديس.

التجمع الوطني للأحرار اليوم لم يعد حزبًا في طور البناء، بل تنظيمًا وطنيًا يقود الحكومة، ويتحمل ضغط الرأي العام، وتحديات التدبير، وتناقضات المرحلة الاجتماعية والاقتصادية. في هذا السياق، يصبح الرئيس المقبل أقرب إلى Political Manager منه إلى زعيم كاريزمي بالمعنى التقليدي. فالحزب، وفق منطق Governance politique، يحتاج قيادة قادرة على إدارة التعقيد، لا على تبسيطه خطابيا.

القيادة الحزبية الحديثة لم تعد فعل إقناع فقط، بل فعل تدبير استراتيجي. تدبير الموارد البشرية، تدبير التوازنات الترابية، تدبير الاستحقاقات الانتخابية، وتدبير العلاقة بين الحزب والدولة والمجتمع في آن واحد. وهي عناصر تجعل من الكفاءة التشغيلية (Capacité opérationnelle) شرطًا مركزيًا، لا يقل أهمية عن الشرعية التنظيمية أو القبول الداخلي.

كما أن المرحلة المقبلة، من زاوية علم السياسة الانتخابية، مرحلة عالية المخاطر، تتسم بتقلب السلوك الانتخابي، واتساع منسوب العزوف، وتنامي الخطاب الاحتجاجي. وهو ما يفرض قيادة تمتلك Vision stratégique، وقادرة على قراءة الخريطة الانتخابية، وبناء التحالفات، وحماية الرأسمال الانتخابي للحزب، بدل الاكتفاء بإدارة الزمن القصير.

أما الاستمرارية، فهي مفهوم لا ينبغي اختزاله في التكرار. فالاستمرارية الذكية (Continuité intelligente) تعني الحفاظ على ما نجح، مع الجرأة على المراجعة والتصحيح. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب حزبًا في موقع القيادة هو تحويل التجربة إلى مرجع مغلق، بدل اعتبارها رصيدًا قابلاً للتطوير.

ولا يكتمل الحديث عن القيادة دون استحضار الأخلاق التنظيمية. فالأحزاب القوية، وفق مقاربات Institutionalism, تقوم على احترام المؤسسات الداخلية، والانضباط، والقطع مع منطق الولاءات الشخصية والانتقائية في القرار. فالتنظيم الذي يُدار بعقلية الدائرة الضيقة، يضعف ذاته بذاته، مهما كانت نواياه.

من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من هو الرئيس الجديد؟

بل: أي نوع من القيادة يحتاجه الحزب في هذه المرحلة؟

فتح هذا النقاش بهدوء ومسؤولية ليس خروجًا عن الصف، بل تعبير عن نضج سياسي. فالأحزاب التي تناقش مستقبلها بعقل بارد، هي وحدها القادرة على البقاء في الصدارة وقيادة الحكومة بثقة.

فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست سباق أسماء،
بل اختبار كفاءة في لحظة تاريخية دقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المثمر
زر الذهاب إلى الأعلى