كائنات محمد شكري المغردة خارج السرب

كائنات محمد شكري المغردة خارج السرب

عبد الرحمان مسحت

حفلت كتابات محمد شكري، الروائية والقصصية والمسرحية، بشخوص تفاوتت مستوياتها الثقافية والاجتماعية..لكنها ظلت مرسومة في مخيلة القراء والمهتمين…وأصبحت معروفة بطبائعها وسلوكاتها السوية والشاذة ( سي محمد-عبد القادر-الكبداني- فاطي…)، لكن هناك كائنات انفلتت خارج النص السردي ولم نسمع عنها شيئا – إبداعيا- لكنها لعبت دورا مهما في حياة شكري، فمن تكون هذه الكائنات التي عاشت في الظل، باختيار مجنون الورد والخيمة وزمن الشطار ووجوه؟ وهل آن الأوان لإخراج هذه الكائنات إلى النور، لتحتج على التهميش الذي طالها في غياب شكري؟ لتكن هذه المقالة رسالة واضحة إلى من يهمهم الأمر…

(فتحية)

بطلة أبت إلا أن تبقى خارج الزمن السردي، مكتفية بالدور الذي لعبته في حياة شكري الواقعية. لم يرد اسمها ولا حتى طيفها في كتابات شكري؟ هل هي مجرد خادمة؟ وهل كان دورها مجرد الطبخ والتنظيف وخدمة الرجل لمدة عشرين سنة؟ ألا تكفي هذه المدة الطويلة لخلق ألفة من نوع خاص؟ لعل الرجل وجد فيها ما لم يجده في كل النساء اللواتي عرفهن في حياته، وذكر بعض أسمائهن، سواء في السير الروائية أو في الحوارات التي كان يجريها في الصحف والمجلات ..تصريحا أو تلميحا.

1983، هي السنة التي التحقت فيها فتحية كخادمة بمنزل محمد شكري، وكانت كما ذكر شكري نفسه، خادمة مطيعة متفهمة لظروفه ككاتب كبير يعيش خارج إيقاع الزمن، يعاند العالم بشغبه وجنونه..وكانت فتحية بفطرتها وذكائها البسيط، تذرك ما لهذا الرجل من أهمية، وان خدمته ستكون مفخرة لها لا محالة؟ سيما وان شقة محمد شكري كانت قبلة للكتاب والأدباء، مغاربة وأجانب..فأدركت أن الزوار من طينة أخرى.

لماذا احتفظ محمد شكري بفتحية كل هذه المدة الطويلة؟ هل لأنه وجد فيها صورة لأم ظلت غائبة حتى في زمن طفولته المشردة؟ لم تكن تملك الإرادة لتدافع عن محمد ( الجرو)، كما كان يناديه الأب.”..أبي يعود كل مساء خائبا. نسكن في حجرة واحدة، أحيانا أنام في المكان نفسه الذي أتقرفص فيه.إن أبي وحش، عندما يدخل لا حركة، لاكلمة إلا بإذنه كما هو كل شيء ، لا يحدث إلا بإذن الله كما سمعت الناس يقولون. يضرب أمي بدون سبب أعرفه. سمعته مرارا يقول لها:” سأهجرك يا.. دبري أمرك وحدك مع هذين الجروين”1 – يقصد الأخوين شكري وعبد القادر- إلى جانب ذلك، فقد كانت الأم تحب عبد القادر أكثر من محمد، ونلمس ذلك في حوار محمد مع الشيخ الذي حضر مراسيم دفن عبد القادر. سألني الشيخ:”أكنت تحب أخاك؟ كثيرا”( مازلت منتحبا)/ أمي تحبه أكثر مما تحبني”2.
قد يكون وجد فيها صورة لأخت لم يشبع من عطفها نظرا للظروف التي مرت بها عائلته، بالإضافة إلى موت أختين قبلها؟”..قبل رحيلنا بيوم رأيت الفتاة التي حررتني من الحبس وأعطتني الخبز المعسل. أخبرتها برحيلنا إلى تطوان. أخذتني معها إلى منزلها ماسكة إياي من يدي …غسلت لي وجهي وأطرافي .كنت أخاها الأصغر؟ ابنها؟ ..ودعتني بالقبلات على خدي. باست فمي . فكرت فيها مثل أخت لم تلدها أمي”.3 وقد يكون وجد فيها الزوجة التي لم تكن سوى طيفا في حياته وحبا مفقودا-أبدا- رغم كل اللواتي عرفهن وعشقهن. ” من حسن حظي أني لم أحب امرأة أقدسها في المساء لكي ألعنها في الصباح كما يفعل أكثر الملاعين…أما أنا فما برحت أكابد من أجل أن أحب نفسي وأقهر هواجسي الحمقاء الخبيثة..”4 هل وجد في فتحية، تلك الخادمة الضعيفة البسيطة، الذكية بالفطرة والمتفهمة لظروفه التي ذكرناها آنفا، ما لم يجده في كل النساء اللواتي تعرف عليهن في حياته؟ تقول فتحية إن” ..شكري كان هو يدي ورجلي، ولم يكن يستغني عني ولا استغني عنه…كنت على اطلاع بما يرغب فيه . وكنت أعد له أكلته المضلة ، وهي إما اللحم ب”المولوخية”، أو الدجاج البلدي بالزبيب والبصل..”. ولم يقتصر هذا الارتباط العجيب بالأكل والتنظيف ..ولكن العلاقة تطورت بينهما لتصبح من نوع خاص: تضيف فتحية قائلة”.. كان يحكي لي عن أعماله ومعاناته في طفولته..”

كان شكري كل شيء في حياتها،أحست بجانبه بالأمان والاستقرار المادي والمعنوي..بمناسبة وبغير مناسبة. وفي مقابل هذا العطف الكبير الذي كان يغدقه على فتحية، تقديرا محترما، كان شكري يكره المتملقين والجاحدين .. حتى من داخل العائلة التي لم يكن على وفاق مع أفرادها، منذ صدور رواية ” الخبز الحافي”، وما تلا هذه الرواية من نصوص استفزت وأقلقت راحة عائلته، فكانت فتحية الفرد الوحيد الذي اختار مرافقة شكري في رحلته الأدبية وفي حياته الخاصة، وتأقلمت مع الجو العام الذي كان يعيشه رغم ما كان يكتنف هذا الجو من جنون وشغب المبدع حينما يعانق الكتابة بعمق وصدق..مواجها الضجة التي أثارها خصومه من الأميين والمثقفين على السواء؟ وظلت فتحية الطيبة الهادئة تهئ له الظروف المناسبة ليواجه كل العالم بحماقاته، بوسائلها الخاصة. وكان شكري يدرك كل هذا ، لذلك أوصى بتخصيص مبلغ مالي قدره ألف درهم تستفيد منه طول حياتها، قابل للزيادة حسب تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية..من مؤسسة محمد شكري، وبناء على القانون المنظم لهذه المؤسسة التي تم الإعلان عنها خلال مهرجان أصيلة الثقافي لسنة 2003. وبالفعل تكون مجلس إداري ضم محمد الأشعري وحسن أوريد ومحمد برادة وحسن نجمي وعبد الحميد عقار. ولم يتم التصديق على بنودها – للأسف- إلا على فراش الموت حين كان محمد شكري يعيش اللحظات الأخيرة من عمره. وأقصى شكري ورثته متعمدا، إلا فتحية خادمته ورفيقة عمره والشاهدة على معاركه مع خصومه، والفاضحة للخونة الذين كانوا يستغلون اسمه ووجوده وبيته المفتوح على الدوام، ليمارسوا لعبة الصداقة والإعجاب.. وقضاء مآربهم. بل والمخجل حقا أن بعضهم وصلت به الوقاحة إلى الادعاء الزائف برعايته لمحمد شكري في مرضه ومواساته ماديا ومعنويا..وما أكثر الذين ظهروا بعد وفاته في صور ملائكية وملأوا الدنيا ضجيجا..حزنا عليه، وهو منهم بريء. لقد أكدت فتحية- وهي التي كانت لا تبارح سريره- قلة الذين كانوا يزورونه، بل أصبح شكري لا يطيق أحدا، مكتفيا بعزلته غارقا في تأملاته البعيدة، مدركا بحدسه الروائي زيف الأصدقاء وخبثهم..مستأنسا بفتحية والسلحفاة والكلب، وبذاكرته التي لم تعد تسعفه لرسم خريطة حياته الجديدة…

فتحية، بطلة ظلت خارج النص السردي، لكنها عاشت داخل وجدان شكري لأنها كانت اقرب إليه من كل الكائنات الكرطونية التي سطرها شكري في رواياته، ولأنها كانت اصدق أبطاله على الإطلاق ، فآثر شكري أن يحتفظ بها بعيدا عن عيون لصوص المشاعر، وان تظل معه حتى في العدم.
تتساءل فتحية، بعد رحيل شكري، وبعد الوعود التي التزم بها من كلفوا أنفسهم أعضاء المجلس الإداري لمؤسسة شكري الثقافية، عن مصير هذه المؤسسة ؟ ومن سيتكلف بمنحها راتبها الشهري الذي وعدها به محمد شكري، كأحد البنود الأساسيين في قانون المؤسسة المزعومة؟ وأين هي” الشلة” الصادقة من أصدقائه الذين كانت تعتني بهم كلما زاروا شكري، وهم يعرفون أكثر من غيرهم، أن فتحية تعيش الآن حياة قاسية في غياب سي محمد- كما كانت تحب أن تناديه-؟

(السلحفاة)

السلحفاة، البطل الغائب، في نصوص محمد شكري وأيضا في الواقع. يقول شكري عن هذا الكائن الصغير:” ..فالسلحفاة لا تعرفها متى تشيخ حتى تراها ميتة دون أن تظهر عليها علامات الشيخوخة، ثم إني افتقدها رغم أنها تعيش معي في منزل واحد ولا أراها سوى مرة كل ثلاثة أشهر أو أربعة…كانت صغيرة مثل عود ثقاب، والآن صارت كبيرة مثل صحن طيني..” .عاشت بدون قيود ، جوالة في أركان البيت الصغير تنصت إلى الروائي الكبير- سيدها الطيب- وهو ينشد قصيدته عن العالم السفلي في أقصى تجلياته. أرادها أن تكون مثل كتاباته: حرة ..طليقة..بلا رقابة ولا سلطة احد. ومثلما حرص على أن تظل حرة بلا قيود، حرص أيضا على أن تظل بعيدة عن أعين القراء، وفضل أن تعيش خارج النص الروائي.

( الكلب وتمسان)

سبعة عشر عاما هي الفترة التي قضاها هذا الكلب الوفي صحبة شكري، ظل بجانبه عندما غاب الأصدقاء، الكائنات البشرية المريضة..يقول شكري عن هذا الكلب:” .. فقد عاش معي أكثر من سبعة عشر عاما..شاخ بطريقة سيئة وصرنا نغسله بأنبوب الماء..”. ويتأسف شكري لحال صديقه عندما تبدو عليه علامات الشيخوخة ويصبح يتحرك بصعوبة، ويضعف بصره ويسقط عنه الزغب فيصير منظره محزنا.

آثر شكري أن يظل صديقه بعيدا عن كاميرات القراء والفضوليين ..وان يموت في صمت بعيدا عن كائناته ” الكرطونية”. لقد أحبه بصدق، لذلك أراده أن يموت دون صخب. قيل سلحفاة شكري التقت بغيلم محمد زفزاف وسافرا إلى مكان مجهول، حيث يرقد البطلان في برزخهما؟ ومن يدري، قد تكون أيدي الخونة سرقتهما وحددت مصيرهما المعلوم؟ قيل للذبح والسلخ؟ وقيل – والله اعلم- بيعا في المزاد العلني لمثقفين فاشلين بائسين…

+ روائي وقاص وإعلامي
عضو اتحاد كتاب المغرب

هوامش :

1 – رواية “الخبز الحافي” لمحمد شكري، ص10

2 – نفس المصدر ص12

3 – نفس المصدر ص29

4 – نفس المصدرص56

* فقرات جاءت متفرقة في بعض الحوارات المنشورة في بعض الصحف والمجلات

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق