لا تنشر هنا

التعاقد والجهوية المتقدمة.. أية علاقة؟

محمد الهشامي*

ما هي المعايير التي تجعلنا نقر بأن “التعاقد” في قطاع كالتعليم يعد خيارا استراتيجيا؟ وعلى أي أساس تبنى الخيارات الإستراتيجية؟

اعتمد المغرب في السنوات الثلاثة الأخيرة نظام التوظيف بالتعاقد، وشهدت سنوات 2016/2017/2018 توظيف ما مجموعه 70 ألف موظف متعاقد. كانت هذه الفئة مركزة في قطاع يشهد عدة برامج إصلاحية منذ مدة طويلة، قطاع التعليم والذي يكتسي أهمية وحيوية كبيرة إلى جانب قطاع الصحة.

صيغة “التعاقد” لم تكن ولن تكون خيارا استراتيجيا يوما ما، ولن تحقق نجاعة ونتائج إيجابية في قطاع كالتعليم. وحتى إذا سلمنا وقلنا أن الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015/2030 فعلا ستحقق الإنصاف والجودة والارتقاء، فإنه يمكن الجزم قطعا وبلا تردد، أن هذه الرؤية ستكون كباقي المخططات الإستعجالية الفاشلة قبل بدايتها. فكل ما هو استراتيجي لا يترك بعده أية مشاكل، وما خلفه التعاقد بعد ثلاثة سنوات من انطلاقه من نتائج سلبية، يمكننا من حصره ضمن المخططات والبرامج الإصلاحية التي أعلنت فشلها في مضى، والتي سبق ورصد لها الملايير من ميزانية الدولة.

الجهوية المتقدمة، ركيزة اعتمدت عليها الحكومة لتمرير التعاقد، قصد اعتماده في باقي القطاعات الأخرى تدريجيا في ما بعد. والجهوية المتقدمة كورش استراتيجي، من خلالها تتنازل السلطات المركزية على مجموعة من الصلاحيات لسلطة جهوية، قصد تخفيف العبء على المركزية، والمساهمة في التنمية المحلية باعتماد كل جهة على الموارد البشرية والمالية التي تتوفر عليها. ويبقى الهدف الأساسي والمركزي من اعتماد هذا المشروع هو خلق توازن بين جميع الجهات.

تطرقنا لتعريف الجهوية المتقدمة كما سبق وذكرنا، كون اختيار صيغة التعاقد اعتمد وفق مقاربة ركزت بالأساس على هذا الورش، قصد خلق وظائف جهوية، هذا من جهة، من جهة أخرى فجوهر الجهوية المتقدمة، والمرتكزات التي جاءت من أجلها لم تقتصر على التوظيف في مجال كقطاع التعليم، والذي يعد من القطاعات الأساسية داخل البلاد، بل من الأهداف التي يطمح لتحقيقها، خلق نموذج تنموي جهوي، محوره عدالة جهوية على مستوى الثروات التي تتوفر عليها كل جهة، وكذلك إنشاء جهوية متوازنة على مستوى البنيات الصحية، وتحقيق مساواة على مستوى الاستفادة من المرافق العمومية، كما نص على ذلك دستور 2011 في بابه الثاني عشر عندما أشار صراحة في الفصل 154 على أن المرافق العمومية ” تنظم على أساس من المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني…” وهذا من أجل ضمان مغرب جهوي متوازن.

صيغة التعاقد إذا كانت لها البيئة المناسبة، وتوفرت فيها الشروط الموضوعية والشكلية لتنزيلها، فلا يمكن أن نكون رافضين لها، كخيار استراتيجي، يمكن أن يساهم في حل مجموعة من المشاكل المرتبطة بالشباب أولا وأخيرا، كفئة مهمة داخل المجتمع.

بالإضافة إلى كونه قد يساعد على حل معضلة البطالة، والتخفيض من نسب انتشارها بين فئات عريضة. لكن تحقق نتائج ذلك يتطلب توافر مجموعة من الشروط التي تسجل حضورها بقوة في البلدان الأوربية التي اعتمدت سابقا هذا النظام.

إن إصلاح التعليم يحتاج لمجموعة من المؤشرات والشروط، والتي من دونها لا يمكن أن يتحقق أي برنامج، ومن بينها نذكر:

– إصلاح التعليم فعلا يحتاج لرؤية واضحة،

– الاهتمام بالموارد البشرية كونها أحد ركائزها الأساسية،

– إصلاح التعليم يتطلب مقاربة تشاركية لجميع الفواعل داخل المجتمع، والهيئات المدنية والحقوقية،

– إصلاح التعليم لا يحتاج للمزايدات السياسية بين الأحزاب، ولا للصراعات الأيديولوجية،

– إصلاح التعليم لا يمكن أن يكون برنامجا انتخابيا بالمطلق،

– إصلاح التعليم في حد ذاته سياسية لإعداد للتراب على المدى البعيد، بين 25 سنة و 30 سنة.

إن المدرسة العمومية اليوم، في حاجة ماسة إلى لوبي يدافع عنها كما يدافع عن المدرسة الخصوصية، وفي حاجة ماسة إلى العمل على إعادة تقوية مواردها البشرية، كرأسمال بشري، يتطلب تقوية قدراته، لتحقيق الجودة والارتقاء بالتعليم العمومي إلى مصاف متقدمة، وإعادة الاعتبار لها. فمن بين أهم الفصول التي حملتها الرؤية الإستراتيجية للإصلاح بين طياتها، تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص، والوصول إلى مدرسة ذات جودة مضمونة للجميع على قدم المساواة. إلا أن الاعتماد على صيغة هشة كالتعاقد دون جودة تذكر، لن يساهم في تنزيل مقتضيات الرؤية أعلاه، كما لا يمكن خلق توازن وجودة مضمونة.
في سنوات فارطة كان يعتمد على الجماعات الترابية لتخفيض نسب البطالة المرتفعة بين حاملي الشهادات، خريجي الجامعات ذات الاستقطاب المفتوح، خاصة بعد أن تتفاقم الأوضاع الاجتماعية لهؤلاء، والخروج اليوم بخطاب رسمي من الحكومة تتحجج فيه كونها أحدثت مناصب للشغل بالآلاف للحد من البطالة، وعلى حساب المدرسة العمومية وقطاع التعليم، يبين بالفعل أن احتواء جحافل البطالة يطغى بكثير على أهمية الإصلاح، والمدرسة لا يجب أن تكون يوما من الأيام حلا من الحلول للمشاكل الاجتماعية المرتبطة بفشل سياسات عمومية. فالمدرسة تبقى مكان للتربية والتكوين، قصد بناء صرح تربوي منسجم، ومنتج لأطر وكفاءات تتماشى وتتطور العالم على جميع المستويات والمجالات.

ففي ظل العدالة الاجتماعية والمجالية التي تعرفها بلدان العالم الأوروبي، فإنه يمكننا الحديث على التعاقد كخيار استراتيجي، في ظل تكافؤ الحقوق والواجبات، وتوفر الخدمات الطبية، وارتفاع نسبة المستفيدين من الخدمات الاجتماعية، والعيش الكريم، مع ضمان معاشات تضمن الاستقرار الاجتماعي والنفسي والأسري بعد انتهاء فترة التعاقد المرتبطة بالعمل المتعاقد من أجله. وهذا ما ينعدم في الساحة التي تسعى الحكومة جاهدة تنزيل التعاقد فيها.

الجدال الجديد/ القديم حول التعليم ليس وليد اللحظة، فلعله ظل قائما منذ أول إصلاح شهده سنة 1957 مع اللجنة الرسمية لإصلاح التعليم، ثم المخطط الخماسي والثلاثي ما بين (1960-1967)، بالإضافة إلى مناظرتي إفران الأولى والثانية ما بين (1970-1980)، مرورا بالبرنامج الإستعجالي (2012-2020)، وصولا إلى الرؤية الإستراتيجية للتعليم (2015-2030).

قطاع التعليم يجب أن يبقى ممركزا، لا أن يتم تشتيته على نحو من العشوائية والارتجالية في التسيير، تحت يافطة الجهوية المتقدمة التي لم تعرف طريقها بعد كورش جهوي استراتيجي لتحقيق التنمية المحلية، يعاني من مجموعة من التعثرات التي تحول دون تحقيقه. وحتى التجارب الناجحة في تنزيل التعاقد دون تسجيل أي مشاكل في القطاعات التي اعتمدته، فهي تختلف بشكل كبير في ببيئتها اختلافا حد تنافي القياس،لا من الناحية السياسية ولا من الناحية الاقتصادية، ثم الاجتماعية وما تشمله من امتيازات يستفيد منها المواطنين بدون اختلاف، وعلى مستوى كبير من المساواة كما سبق وتمت الإشارة إليه.

* باحث في المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى