هكذا تعيش مدينة أغنى رئيس مجلس بلدي في المغرب

الفقيه بن صالح: مصطفى عفيف

هكذا تعيش مدينة أغنى رئيس مجلس بلدي في المغرب

استمرار مظاهر البداوة وتوقف مشاريع في منتصف الطريق وكوارث تلوث تلاحق الوزير السابق

بعد العرس الأسطوري الذي أقامه الوزير الحركي السابق محمد مبديع، بمناسبة زواج نجله آدم إلياس من حفيدة وزير أول فرنسي سابق، اتجهت الأنظار إلى مدينة الفقيه بن صالح التي يرأس بلديتها الوزير السابق بحكومة عبد الإله بنكيران. من تابعوا ذلك العرس، وتناقلوا تفاصيله كما لو أنهم يتناقلون واحدة من حكايات ألف ليلة وليلة، لا شك أنهم تساءلوا، أمام الأجواء المبهرة لذلك الحفل الباذخ، عن واقع المدينة التي يشرف محمد مبديع على تسيير شؤون مجلسها منذ سنة 1997. من زاروا من قبل مدينة الفقيه بن صالح، أو جعلتهم رقصة الوزير بمناسبة زفاف ابنه يشدون الرحال إليها، سيجذب أنظارهم مدخل شارع الحسن الثاني، الذي يمر وسط المدينة، حيث تستقبلهم على اليمين تلك الفيلات الفخمة ذات التصميم الراقي والبوابات الأنيقة. لكنهم سيكتشفون أن ذلك المنظر الجميل لا يعدو كونه الواجهة التي تخفي غابة من المشاكل التي يعانيها معظم السكان، مثلما يخفي ذلك العرس الأسطوري كثيرا من البؤس بين أحياء المدينة التي يقطنها أزيد من 150 ألف نسمة.

العرس الباذخ الذي أقامه محمد مبديع، رئيس المجلس البلدي لمدينة الفقيه بنصالح، بمناسبة زواج ابنه، كشف عن موهبة الوزير السابق في الرقص، لكنه سلط الضوء، أيضا، على جوانب تخفيها المظاهر البراقة من واقع المدينة التي تقلد مبديع مهمة تسيير شؤونها منذ 23 سنة. فبعدما انطفأت كاميرات المصورين التي نقلت مشاهد الحفل البهيج بمأكولاته ومشروباته من مختلف الأصناف، وفي ما يشبه الإشارة إلى المفارقة الصارخة التي عكسها حفل ذلك العرس مع حال المدينة، عاد عدد من الحاضرين ليهمسوا في ما بينهم وبعض الصحافيين ليتساءلوا عن حصيلة الفترة الطويلة من جلوس محمد مبديع على كرسي رئاسة بلدية الفقيه بن صالح.
تهميش وغياب مرافق
بمجرد الابتعاد عن مدخل الفقيه بنصالح، يكتشف الزائر أن المدينة تعاني مشاكل عديدة، أولها مشكل التلوث الصناعي الناتج عن مقذوفات وحدة صناعية لإنتاج الحليب، إضافة إلى مياه الصرف الصحي، قبل أن يفاجأ بوصوله وسط المدينة بغياب بنيات تحتية ومرافق ترفيهية، بعدما تم إقبار المساحات الخضراء وتحويلها إلى فضاءات إسمنتية. وهي المشاكل التي جعلت السكان يخرجون في أكثر من مناسبة للتنديد بما أسموه الهيمنة والتحكم واستغلال النفوذ والاحتجاج على رئيس المجلس البلدي، الذي يدخل ولايته الرابعة في تدبير بلدية الفقيه بن صالح. هذا فضلا عن تعثر مجموعة من المشاريع والأوراش المهمة، ومنها مشاريع تم تقديمها أمام الملك، لكنها عرفت البداية دون أن تكتب لها النهاية في عهد الرئيس مبديع، فضلا عن أنها شهدت اختلالات وقف عليها قضاة المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة لوزارة الداخلية أكثر من مرة، منذ بداية تدبير المجلس الجماعي من طرف محمد مبديع، الذي دخل المجلس في 13 يوليوز من سنة 1997، وانتخب رئيسا له وهو المنصب الذي ما زال يتقلده إلى اليوم.
عدد من سكان الفقيه بن صالح كشفوا لـ«الأخبار» عن معاناتهم من الوضع الكارثي لبعض الشوارع والأزقة والأحياء باستثناء الشارع الرئيسي، الذي يخفي، بحسبهم، فضائح إخفاق تدبير الشأن المحلي للمدينة منذ تولي مبديع رئاسة المجلس، بعدما عجز عن إخراج أحيائها من التهميش.
بعض سكان المدينة يصفون أحوالها بشديدة المرارة، بسبب غياب استراتيجية تواكب سيرورة التحول الذي عرفته، وجل المستجوبين أكدوا لـ«الأخبار» أن لا شيء من المشاريع الاجتماعية والاقتصادية نجح بمدينتهم، ولا شيء قامت به الجهات المسؤولة عن تدبير الشأن المحلي، من أجل النهوض بأوضاع المدينة وتحسين ظروف عيش سكانها.
أحمد، شيخ في العقد السابع من عمره صادفته «الأخبار» بالقرب من ثكنة الدرك وهو يعبر شارع علال بن عبد الله، وهو من أهم شوارع المدينة. يقول مبتسما إن الشارع الذي يطلق عليه السكان «سامحيني»، تشبيها بالمسلسل التركي الذي عمرت حلقاته طويلا بالقناة الثانية، عرف بداية الأشغال منذ سنوات دون أن يشهد نهايتها. ويضيف أحمد أن ثمة غيابا لمعايير معقولة في اختيار مصابيح الإنارة العمومية بأهم وأكبر شارعين بالمدينة، فضلا عن مشاكل خطوط الكهرباء ذات الضغط العالي، إضافة إلى البالوعات التي تشكل خطرا على مستعملي شارعي الحسن الثاني وعلال بن عبد الله.
ويؤكد أحمد أن عددا من السكان باتوا يتحسرون على قدومهم لمدينة لم تواكب التطور العمراني بعدما انتقلت من باشوية إلى عمالة سنة 2010، وتعيش على إيقاع الأوراش الكبرى من خلال الأشغال الجارية لتهيئة بعض الشوارع والأزقة الأكثر حظا من مثيلاتها، والتي انطلق بعضها منذ الولاية السابقة لتدبير مبديع للمجلس البلدي، إلا أن هذه المشاريع تعثرت في منتصف الطريق، في وقت لم تخرج المدينة من النمط القروي الذي يحتفظ بعدد من مظاهر البداوة، وعلى رأسها انتشار العربات المجرورة بالدواب في بعض الأحياء والتي سخرها أصحابها لنقل المواطنين، أو تلك التي خصصها أصحابها لنقل البضائع، وهو ما أصبح يشكل عائقا كبيرا أمام تطور المجال الحضري للمدينة، ناهيك عن انتشار الكلاب الضالة والمتشردة التي أضحت تشكل خطرا على حياة السكان.
بداية بلا نهاية
وقفت «الأخبار» على عدد من المشاريع التي تمت برمجتها منذ الولاية الأولى لمبديع ببلدية الفقيه بن صالح، منها من لم ير النور ومنها من لم تحترم فيه دفاتر التحملات، وهي اختلالات سجلتها تقارير مجلس الحسابات، وتتعلق بالمنطقة الصناعية والإنارة العمومية، وإقبار المساحات الخضراء… أحد المواطنين التقته “الأخبار” بالمدينة أشار إلى اجتثاث أشجار أهم حديقة بوسط الفقيه بن صالح، والتي كانت في عهد الحماية الفرنسية من أهم المتنفسات الطبيعية، وهي حديقة الحرية، والتي كانت بها أشجار مختلفة يتم سقيها من مياه مسبح الحي الإداري، مضيفا أن ذلك تم أمام أعين السلطات، لتتحول اليوم إلى حديقة إسمنتية تفتقد للجمالية، مثلما حصل في عدد من أحياء المدينة.
مشاريع تأهيل وتنظيم الباعة المتجولين هي الأخرى من بين المشاريع التي لم تر النور، إذ توجد خارج حسابات المجلس الجماعي ورئيسه، وقد كان من المقرر أن يعرف مشروع بناء سوق مغطى النور بحسب برنامج التأهيل الحضري 2014/2016، إلا أن هذا المشروع ما زال عبارة عن أطلال، في وقت نجد أن الباعة المتجولين يغزون أحياء المدينة وشوارعها وساحاتها العمومية كما هو حال مدارات ساحة لالة أمينة القلب النابض، والتي تحولت إلى سوق عشوائي بعدما تم غزوها من طرف الباعة المتجولين أصحاب العربات المجرورة بالدواب التي تترك وراءها مخلفات وفضلات تفوح منها روائح كريهة.
ولم يكترث رئيس المجلس البلدي لشكايات المواطنين الذين وقعوا على مجموعة من العرائض التي يطالبون من خلالها بوضع حد للعربات المجرورة التي تتسبب في حوادث وعرقلة للسير. هذا فضلا عن إغفال اختفاء مشاريع كانت موضوع المصادقة عليها في عهد الرئيس مبديع سنة 2013، تتعلق بتحويل الكنيسة بحسب التصميم، وإنشاء فضاء لذوي الاحتياجات الخاصة، وهو المشروع الذي لا وجود له إلى حدود اليوم، إلا بالأوراق.
عملية البحث قادت «الأخبار» إلى مشروع اعتبره سكان الفقيه بن صالح من بين المشاريع المتعثرة، وهو ما يسمونه بالسوق اليومي، إذ إن حاله شبيه بمشاريع مماثلة موجودة على الأوراق فقط، حيث لم يكتب لهذه المدينة أن تحظى بسوق بمعايير محترمة تحفظ كرامة الباعة، وهو الواقع الذي تجسده صور بيع الأسماك في أماكن تفتقد لأبسط شروط السلامة الصحية.
مشروع القرية الحرفية بحي الزهور 3، الذي كان قد انطلق منذ سنة 1996، عرف بدوره عدة مشاكل وتعثرات، قبل أن تتحول الاستفادة من بقعه إلى موضوع لتبادل التهم بين الحرفيين، ما عجل بدخول النيابة العامة على الخط للتحقيق في ما اعتبرته بعض الجهات استغلال المشروع سياسيا والتلاعب في لوائح المستفيدين من بقع بالقرية ومنحها لغير الحرفيين، حيث تم الاستماع إلى عدد من المستفيدين والموظفين بالمجلس، إذ كشف البحث أن المشروع يضم 501 بقعة تم تخصيص 430 منها لفائدة الحرفيين، فيما جرى تخصيص 70 بقعة المتبقية لفائدة المهاجرين المقيمين بالخارج، وهو أمر جعل بعض المستفيدين يقومون ببيع بقعهم وتفويتها بالتحايل على الجهات المسؤولة.
هذه الوضعية المزرية التي يعيش على وقعها سكان الفقيه بن صالح لم تحرك السلطات المنتخبة والمحلية لمعالجتها والحد من آثارها الكارثية، وهي وضعية يتعايش معها سكان عاصمة بني عمير الذين ينتظرون بفارغ الصبر الفرج من خلال زيارة ملكية، تكون فأل خير على السكان في إصلاح الطرقات وتعجل بإخراج مشاريع مجمدة للوجود.
فعاليات حقوقية ومدنية تطالب بإخراج تقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية والمجلس الجهوي للحسابات لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وذلك بعدما زار مسؤولون بهما المدينة في مناسبات عديدة وكشفوا العديد من الاختلالات. هذا فضلا عن ضعف صبيب وجودة الماء الصالح للشرب، والنقص الحاد للإنارة العمومية وانقطاعها المتكرر، وتأخير إخراج تصميم تهيئة المدينة إلى حيز الوجود لأزيد من خمس سنوات، وكذا عدم استفادة السكان بالشكل المطلوب من خدمات المسبح البلدي والقاعة المغطاة والمركب الثقافي.
التلوث.. كارثة تطارد مبديع
منذ أيام خرج سكان حي الفتح، المعروف بدوار «شنيولة»، في مسيرة احتجاجية ضد إهمال المسؤولين تغطية مجرى الصرف الصحي المكشوف، والذي يخترق أحياء سكنية على طول ستة كيلومترات، وهو المجرى الذي يُستغل في تصريف مياه الصرف الصحي ومخلفات أحد المصانع بالمنطقة، وهو واقع يعيشه السكان منذ سنوات، قبل أول ولاية لترؤس محمد مبديع لبلدية الفقيه بن صالح سنة 1997، بعدما أصبح الحي تابعا إداريا للمجال الحضري للمدينة، وأصبح ورقة تستغل في كل استحقاقات انتخابية، ضمن وعود قدمها رئيس المجلس من أجل إصلاح «الفراغة» دون تنزيل الوعود على أرض الواقع، وهو مشكل ظل يطارده طيلة أربع ولايات، في الوقت الذي تنوب عنه السلطات المحلية وأعوانها في تنقية المجرى، بحيث تجند قائد الملحقة الإدارية الثالثة، بداية الشهر الماضي، للقيام بحملة نظافة بالاستعانة بجرافة وعدد من أعوان السلطة بكل من حي الفتح (دوار شنيولة) وحي التقدم 2، حيث تم كنس الأزبال بالأحياء المذكورة، في غياب أي تدخل من المجلس الجماعي.
فوضى تحرير الملك العمومي
حدة فوضى احتلال الملك العمومي بمدينة الفقيه بن صالح في تزايد كبير، إذ يجد بعض المنتخبين هذا الموضوع فرصة لمنح رخص استغلال الملك العمومي لبعض أرباب المقاهي والمحلات التجارية، على غرار حال المقاهي المتواجدة بأهم شوارع المدينة (الحسن الثاني وعلال بن عبد الله)، والتي استولى أصحابها على الرصيف، في تحد خطير للسلطات، واعتداء على مجال المارة. هذا ولم يأبه الساهرون على تدبير الشأن المحلي للمدينة باحتجاجات المواطنين جراء هذه الظاهرة، التي تساهم في ارتفاع حوادث السير، في صفوف الراجلين الذين يضطرون إلى تقاسم الشارع مع السيارات. وبأحياء أخرى من أطراف الفقيه بن صالح، توجد العديد من المقاهي التي يترامى أربابها على الملك العمومي بشكل مفرط، إذ إن أرباب بعضها يستغلون مناصبهم من أجل التدخل لدى السلطات المحلية التي تغض الطرف عن تجاوزاتهم.

إخراج مشاريع قبل نهاية الولاية الانتخابية
يبدو أن رئيس المجلس المحلي لمدينة الفقيه بن صالح بدأ في التحرك مبكرا، بحسب وصف أعضاء المجلس وبعض الفعاليات. فبعد سنوات من التهميش، عرض الرئيس، شهر فبراير الماضي، ما سماه البرامج التنموية المندرجة في إطار (مشروع الفقيه بن صالح الكبرى) للتأهيل الحضري للفترة 2017-2021، وذلك خلال جلسة عمل لعامل الإقليم مع رئيس وأعضاء مكتب المجلس البلدي، وهو المشروع الذي حاول مبديع إقناع الحاضرين بأنه جاء به لإخراج المدينة من الركود، والذي يضم 29 مشروعا تنمويا بكلفة إجمالية تبلغ 2500 مليون درهم، وتحدث خلال عرضه عن تنمية المدينة ونواحيها على مختلف المستويات والنهوض ببنياتها التحتية وتوفير الخدمات الضرورية للسكان، وهو ما لقي سخرية من طرف البعض الذين استغربوا كون المشاريع التي تحدث عنها البرنامج، والتي تهم تهيئة مداخل المدينة وعدد من الشوارع، وبناء طريق مدارية، وتجهيز بعض الأحياء ناقصة التجهيز، إضافة إلى تقوية شبكة التطهير وبناء محطة لمعالجة المياه العادمة، ودفن الأسلاك الكهربائية ذات الضغط المتوسط، بعضها انطلق ولم يكتمل وهي برامج جاء بها الرئيس منذ ولايته الاولى سنة 1997، دون تنفيذها، وما زال يعيد الوعود تلو الوعود طوال 23 سنة من التسيير.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق