هل انتقلت “عدوى التّظاهر” إلى الكويت؟

هل انتقلت “عدوى التّظاهر” إلى الكويت؟

خالد الجيوسي:
تنتقل عدوى التّظاهرات المَطلبيّة رويداً رويداً في نُسختها “الربيعيّة” الثانية، من لبنان، إلى العِراق، وتصِل الكويت أخيراً، حيث لبّى المئات دعوةً أطلقها النّائب السّابق صالح الملا، والذي استعان بالميزة المُثلى على شاكلة دعوات تظاهريّة أخرى في دول مُجاورة للدّعوة للتّظاهر، بوسائل التواصل الاجتماعي، ليُلبّي الكويتيّون النّداء، ويتجمهروا في ساحة الإرادة، أمام مجلس الأمّة تحت شِعار بالعاميّة الكويتيّة “بس مصخت” أيّ زادت عن حدّها.
لم تختلف شعارات المُتظاهرين في “الديرة” كما يُسمّيها شعبها، كثيراً عن المطالب المرفوعة في لبنان، والعِراق، فغالبيّة الشعارات، حملت ذات الهُموم، وعلى رأسها مُحاربة الفساد داخل المُؤسّسات، والمُطالبة بالإصلاح، الذي شَمِل ملفّات عديدة على رأسها ملف “البدون”، وهُم فئة حسب ما تصفهم حكومتهم لا يُقيمون بطريقةٍ قانونيّة، ولا يحملون الجنسيّة الكويتيّة، وبالتّالي لا يتمتّعون بالمُواطنة.
قد تُتّهم هذه التظاهرات المطلبيّة في حال استمرارها شأنها شأن “زميلاتها” في الدول العربيّة المُجاورة، بأنها مُموّلة، ومدعومة، بل وتحمل أجندات مخفيّة، ولعلّ النائب صالح الملا الذي نجح في تحشيد “المئات” في ساحة الإرادة، استبق الأمور، وأكّد للصحفيين الحاضرين هُناك، أنّ لا أجندات مشبوهة لديهم، وأنّ قضيّتهم الرئيسيّة هو التصدّي للفساد، ومُحاولات التّجاوز على الدستور.
في الأوساط الرسميّة الكويتيّة كما يرصد المُراقبون، ارتبطت المشاكل والأزمات في ملفّات التعليم، والصحّة في الفترة الأخيرة بالوافدين أو الأجانب العاملين على الأراضي الكويتيّة، وهُناك هجمة مُمنهجة تستهدف “شيطنتهم”، وتحميلهم مستوى تراجع الخدمات في كُل من قطاعيّ التعليم، والصحّة، فهُم يتشاركون هذه الخدمات، بل وينتفعون منها بشكلٍ أو بآخر “مجّاناً”، وهو ما تعتبره بعض أصوات برلمانيّة السّبب في تردّي القطاعين المذكورين، وهو ما يحتاج إلى حل ترحيل الوافدين، لكن في المُقابل كان لافتاً أنّ المُحتجّين في ساحة الإرادة كانوا قد تحدّثوا عن أوضاع التعليم والصحّة المُتراجع في البِلاد، وحمّلوا سُلطات بلادهم المسؤوليّة لا الوافدين، وطالبوا بإصلاحاتٍ عاجلة، فيما تحدّثت صحف محليّة عن حُضور أعداد كبيرة من “البدون” بعد طرح قانون يرفضونه لمُعالجة أوضاعهم.
لم تقتصر هذه “الوقفة” الاحتجاجيّة كما أصر البعض على تسميتها، حتى لا تُحمّل بأكثر من أهدافها، وبالتّالي التّشكيك بحقيقتها، على الرجال، فقد كان لافتاً مُشاركة عدد كبير من الفتيات والسيّدات، واللاتي تحدّثن بدورهن عن انتشار الفساد، والتنفيع في بعض جهات الدولة، وهن بالتّالي انضممن للحالة اللّافتة أو الظّاهرة، حيث كان مُثيراً لانتباه المُراقبين، إصرار النّساء اللبنانيّات، والعِراقيّات، والكويتيّات، وبكافّة أعمارهن على التّواجد في السّاحات المطلبيّة، وهي دلالة تقول ناشطات نسويّات، على دخول عصر استقلاليّة المرأة الفِعلي، ورغبتها الحقيقيّة في الإصلاح الاقتصادي، والسياسي، جنباً إلى جنب مع الرجل كشخص فاعل مُستقل في المُجتمع، ورغم ما تعرّضن له من أخطار في ساحات التّظاهر.
الحالة الديمقراطيّة في الكويت عُموماً، وتقدّمها على “شقيقاتها” في دول مجلس التعاون الخليجي في الحُريّات والتّعبير عن الرأي، وتعامل السّلطات مع احتجاجات شعبيّة سابِقة على عكس الدمويّة في العِراق التي يقول مُتظاهرون إنها كانت مُفرطة في ساحة التحرير، قد لا تضع “الديرة” من وجهة نظر إيجابيّة يُقدّرها مُهتمّون بالشأن الكويتي، تحت عناوين الخوف من الفوضى، وانفراط عقد مُؤسّسات الدولة، وغيرها من عناوين يقول مُنتقدون في دول مُجاورة أنّ غرضها القضاء على التظاهرات المطلبيّة المُحقّة، وبالتّالي استمرار الفساد، وانتفاع المُفسدين.
من غير المعلوم، إذا كانت دعوات التّظاهر تلك ستتسمر في الكويت، وفيما إذا كانت ستتواصل على شاكلة “زميلاتها” والدّعوات على منصّات التواصل في الدول المُجاورة أسابيع وأشهر، حتى أنّ رئيس مجلس الأمّة الأسبق أحمد السعدون لم يستطع الإجابة عن سؤال صحفي كان قد استفسر منه عمّا إذا كانت هذه التّظاهرة بداية لعودة الحِراك الشعبي، لكنّه اعتبر استجابة المئات لدعوة التظاهر، “استجابة طيّبة يجب أن يُبنى عليها”.
التّساؤلات مطروحة في أوساط المُراقبين، في حال استغلال هذه “الاستجابة الطيّبة” في السّاحات، ومع تنبّه السّلطات الكويتيّة للطّريقة المُثلى للتّعامل مع الوقفات الاحتجاجيّة السّابقة، تأتي هذه التّظاهرة في وقتٍ حرج، حيث الشعوب تتناقل عدوى “الاعتراض” والاحتجاج وترفع شِعار إسقاط النظام، ويتحدّت الكويتيّون عن فساد مُستشرٍ لم يصل إلى هذا الحد مُنذ العام 1975، وتخبّط حُكومي، وفي وقتٍ لا يبدو “تعاون” المجلس الخليجي بخير، وموقف الكويت “المُحايد” من الأزمة القطريّة والمُقاطَعة، واتّهامات لدول خليجيّة بعينها بالتدخّل لحرف تظاهرات في بُلدان مُجاورة عن أهدافها تحقيقاً لمصالحها، هذا عدا عن صِحّة أمير البلاد صباح الأحمد الصباح، وعودته مُؤخّراً بعد تعرضّه لوعكةٍ صحيّةٍ من الولايات المتحدة الأمريكيّة، وخليفته المُرتَقب، وموقف بلاده المُتقارب مع إيران.
الشّعارات المَطلبيّة، ومُحاربة الفساد، كانت العناوين الأبرز في تظاهرة الكويتيين التي انطلقت الأربعاء، ولعلّها كما يُرجّح مراقبون قد تحمل طابع الاستمراريّة نظراً لشعارها “بس مصخت”، وتحقيق المطالب التي من بينها إسقاط القُروض، والعفو العام، يحتاج إلى ديمومةٍ، على الأقل كما فعل أشقاءهم في كُل من لبنان، والعِراق، ونظراً لأنّ الشعارات كذلك قد ارتفع سقفها، ووصلت إلى حد المُطالبة، برحيل السّلطتين التّشريعيّة والتنفيذيّة، كما وترديد هُتافات تُطالب برحيل رئيس مجلس الأمّة مرزوق الغانم “الرافض للتّطبيع”، والتي قالت صحف محليّة إنّ دعوات رحيله صدرت عن جناح في فئة “البدون” فقط.
وكان من بين المطالب المرفوعة في ساحة الإرادة، إسقاط القروض، تجنيس البدون، تعديل قانون التأمينات، حل مُشكلة هُروب العاملات المنزليّات، تطوير العمليّة التعليميّة، حل مُشكلة الإسكان، فتح تأمين للعلاج داخل وخارج الكويت، تعديل الدوائر الانتخابيّة، حل مجلس الأمّة، إسقاط الحُكومة، القضاء على الفساد.
ورصدت “رأي اليوم” حضور واسع ومُكثّف لوسائل إعلام كويتيّة محليّة، إلى جانب الصحافة المكتوبة، والإذاعيّة المسموعة للتّغطية فيما قدّم كُل منها تغطيته الخاصّة وفق سياساته التحريريّة وتوجّهاته السياسيّة، وكان لافتاً غياب التّحريض والتّشويش على الأقل إذا اقتصر المشهد على وقفة اليوم الواحد، هذا ولم تحدث أيّ صِدامات بين المُحتجّين، والقوى الأمنيّة، واكتفت الأخيرة بالتّواجد في مُحيط ساحة الإرادة بصورةٍ طبيعيّةٍ، واعتياديّة.
وقالت مصادر كويتية عليمة اتّصلت بها “رأي اليوم” إنّ مصدر التوتّر يعود إلى وجود حالة الانقسام في الأُسرة الحاكمة تنعكس سلباً على الحياة السياسيّة الكويتيّة، وتُحدِث حالةً من الاستقطاب.
واستغربت هذه المصادر الزّج بالسيّد مرزوق الغانم، رئيس مجلس الأمّة، من قبل بعض المتظاهرين، ليس لأنّه من أكثر الشخصيّات شعبيّةً في المجلس، حيث فاز بالرئاسة برقمٍ قياسيٍّ من الأصوات، أيّ 47 صوتاً، وإنّما أيضاً لوقوفه خلف إصدار قانون بتجنيس 35 ألفاً من فئة البدون حُدّد للمرّة الأولى في تاريخ البلاد معايير واضحة للتّجنيس، وخاصّةً فئة المظلومين الذين لم يُسجّلوا في السجلّات الرسميّة في بداية قيام الدولة الكويتيّة.
مُحامٍ كويتيّ معروف قال لـ”رأي اليوم” إنّ حل مُشكلة فئات البدون الأخرى التي لم ينطبق عليها معايير التّجنيس سيتم مُعالجتها، وهذا القانون هو البداية على حد قوله، وربّما عناصر هذه الفئة هي التي طالبت برحيل الغانم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق