أخبار جهويةالسياسيةسلايدر

مدينة أبي الجعد… حين يصبح الإهمال سياسةً وتغيب الرؤية

جديد24 

ليست المدن مجرد فضاءات عمرانية تُقاس بعدد طرقها أو بناياتها، بل هي كائنات حية تنبض بالحركة والروح والذاكرة. وعندما تفقد المدينة حيويتها، وتغيب عنها المشاريع والرؤية والاستشراف، فإن ذلك لا يكون صدفة، بل نتيجة مباشرة لسياسات تدبيرية فاشلة جعلت الجمود قدرًا يوميًا لسكانها.

هذا بالضبط ما تعيشه مدينة أبي الجعد اليوم، التي تبدو وكأن الزمن توقف فيها، أو كأنها مدينة منكوبة تُركت لمصيرها دون رؤية أو مشروع حضري يليق بتاريخها ومكانتها.

ففي جولة بسيطة داخل المدينة، يصعب على الزائر أن يتجاهل مظاهر التدهور الواضحة. طرق متآكلة، أزقة غير معبدة، وبنية تحتية تفتقر إلى الصيانة والتجديد. حتى الطرق التي كانت معبدة أصابها الوهن، وكأنها تحكي قصة سنوات من الإهمال والتقاعس. أما المشهد العام للمدينة فقد فقد الكثير من جماليته وتنظيمه، ما يعكس غياب سياسة حضرية واضحة تعيد الاعتبار لفضائها العمراني.

لكن المشكلة لا تقف عند حدود الطرق والبنية التحتية. فالأخطر من ذلك هو غياب أي دينامية ثقافية أو رياضية أو شبابية يمكن أن تعطي للمدينة روحًا جديدة.
لا برامج حقيقية لتأهيل الشباب، ولا مبادرات جادة لتمكين المرأة، ولا مشاريع ثقافية قادرة على إعادة الحياة إلى الفضاء العمومي. وكأن المدينة تحولت إلى فضاء صامت، بلا نبض اجتماعي أو ثقافي.

وما يزيد الوضع غرابة هو أن مدينة بتاريخ أبي الجعد الروحي والثقافي لم تُبذل فيها جهود جادة لتثمين هذا الرصيد، سواء عبر مشاريع للتصنيف لدى اليونسكو أو عبر برامج لإعادة تأهيل المدينة العتيقة واستثمار إرثها التاريخي. في مدن كثيرة حول العالم، يتحول التاريخ إلى رافعة للتنمية المحلية. أما هنا، فقد تُرك هذا الإرث دون رؤية أو استراتيجية.

حتى على مستوى البنية التحتية الأساسية، تظل الاختلالات واضحة.
فمسألة تصريف المياه، التي تعد من أبسط شروط التدبير الحضري، لا تزال تعاني من غياب الحلول الهيكلية. ومع كل تساقط للأمطار، تتجدد نفس الصور: طرق غارقة، وممرات غير صالحة للاستعمال، وشعور عام بأن المدينة تفتقر إلى الحد الأدنى من التخطيط الحضري.

المفارقة الكبرى أن كثيرًا من المشاريع التي ما تزال تُرى في المدينة اليوم تعود في الأصل إلى مراحل سابقة، وإلى جهود مسؤولين سابقين مثل السرار وبعيز الشرقاوي وحكيك. أي أن ما تبقى من دينامية عمرانية في المدينة هو في الواقع إرث سنوات مضت، وليس نتيجة رؤية جديدة أو برامج مبتكرة.

في المقابل، يلاحظ المواطنون أن الاهتمام ، يبدو منصبًا في اتجاه آخر تمامًا:
الاستثمارات الخاصة، والمشاريع التجارية، وتحصين العقارات التي تُقدّر قيمتها بالملايير، إضافة إلى استثمارات في المقاهي ومحطات البنزين. وهو أمر يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه جوهري: أين المدينة من كل هذا؟

فالمسؤولية العمومية ليست مجالًا لتدبير المصالح الخاصة، بل هي قبل كل شيء التزام أخلاقي وسياسي تجاه المواطنين. المدينة ليست شركة، وساكنتها ليست مجرد متفرجين على ما يحدث حولهم.

ما يحدث اليوم في أبي الجعد لا يمكن وصفه فقط بسوء التدبير، بل هو تآكل بطيء لفكرة المدينة نفسها. فحين تغيب الرؤية، وتختفي البرامج، ويحل الارتجال مكان التخطيط، فإن النتيجة الحتمية هي مدينة تفقد تدريجيًا قدرتها على الحياة.

أبي الجعد مدينة عريقة، بتاريخها العلمي والروحي والثقافي، ولا تستحق أن تتحول إلى فضاء جامد بلا أفق. إن ما تحتاجه ليس مجرد إصلاحات تقنية متفرقة، بل مشروعًا حضريًا حقيقيًا يعيد لها الحيوية ويضعها في مسار تنموي واضح.

فالمدن لا تموت فجأة، بل تموت ببطء… حين يغيب عنها من يؤمن بمستقبلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المثمر
زر الذهاب إلى الأعلى