غادة السمان تفضح النفاق العالمي :لو قُتلوا في «السيناغوغ»! لقامت قيامة الإعلام العالمي

غادة السمان

كما يعرف الجميع منذ أسابيع: خمسون مسلماً لقوا حتفهم وسقط عشرات الجرحى في مذبحة (نيوزيلاندا). ما الذي كانوا يفعلونه؟ هل كانوا يسرقون؟ ينهبون؟ يقتلون؟ يؤذون؟
لا. كانوا يصلون في «جامع النور» صلاة الجمعة.
القاتل استرالي الجنسية، وبفضل (الإسلاموفوبيا) أي التعبئة ضد الإسلام، قرر أن (يخلص كوكبنا!!) من بعض المسلمين دونما ندم.. ونحن مسؤولون بردود أفعالنا الفاترة حين يدخل متأسلم إلى كنيسة ويذبح كاهناً أمام المصلين! ونرد باحتجاج (فاتر).

بين «السيناغوغ» اليهودي والجامع الإسلامي

مر خبر قتل المسلمين عالمياً كأي خبر آخر، وأدهشني الفتور العالمي في ردة الفعل، وأتساءل: لو تم قتل 50 من المصلين اليهود في (السيناغوغ) أما كان الخبر سيتخذ صيغة أخرى مكبرة ليست شبيهة بأحداث الجرائم المتفرقة، بل ذات المدلول العام الذي سينسب إلى «اللاسامية» المحرمة وسيتم تجييره طبعاً لمصلحة إسرائيل؟ ولماذا موت المسلم في الجامع حدث إجرامي عادي كما يحدث كل يوم، والاعتداء على مكان العبادة اليهودي له مدلوله المختلف والأكثر أهمية بكثير؟
وهل دم المسلم أرخص من دم اليهودي لأن الوطن القومي لأي يهودي هو إسرائيل، برأي نتنياهو وبدعم ترامب؟
بالمقابل، لا بد من التنويه بردة الفعل النيوزيلاندية الرسمية التي تثير التقدير باحترامها لمشاعر المسلمين أمام تلك المحنة.

الإسلاموفوبيا وتقصيرنا في رفضها!

(المتأسلمون) الذين قدموا للعالم مشهداً متلفزاً عن إعدام الرهائن المسيحيين على شاطئ البحر ذبحاً بعدما ارتدى القتلة (تحت شعار الإسلام) لوناً مسرحياً، والمقتولون لوناً آخر، تركوا أثراً مروعاً إعلامياً في العالم، حتى أضحى الكثيرون (سراً) مرضى بـ«الإسلاموفوبيا» ولا يضايقهم موت أي مسلم.. أي أنه حدث أن وقع الدمج بين مجرمين يرفعون شعار الدين الإسلامي الحنيف والقتل السادي الإجرامي. ولذا، قلما يبالي الإعلام الغربي بقدر ما ينبغي بموت المسلمين في جامع ما. فقد صار كل مسلم هو (الإرهابي الممكن) الآتي. والتخلص منه (خدمة للإنسانية)!!

الكاتب «فيست»: الإسلام كالنازية!

الصورة العالمية للمسلم حامل الفأس وقاطع الرؤوس المتفنن في تعذيب الضحايا من الديانات الأخرى مسؤولة جزئياً عن «الإسلاموفوبيا» والمذبحة النيوزيلاندية، هل قصرنا في التنصل من تلك الظاهرة المتوحشة التي يرفضها أي مسلم ساهم بصمته في تأجيج أفكار كهذه؟ وهل تقصيرنا إلى حد ما في الرد إعلامياً على تشبيه الدين الإسلامي الحنيف بالنازية كما كتب الصحافي الألماني نيكولاوس فيست وسواه من مهاجمي الدين الإسلامي مسؤول أيضاً؟ كتب لاوس فيست الألماني واصفاً الإسلام «بأنه تمكن مقارنته بالنازية!!» وانتقل فيست فيما يكتبه إلى إعلان ضرورة منع الممارسة العامة لهذه العقيدة، وبالتالي مطالباً بإغلاق المساجد في ألمانيا. وكان ذلك قبل ثلاثة أعوام. والصحافي «فيست» عمل نائباً لرئيس تحرير صحيفة «بيلد إم زونتاغ» الألمانية الشهيرة.
ولم يرد عليه صوت عربي يفند أقواله، وما يزال صدى أقوال فيست يتردد.
ترى، أليس المسلم في حاجة إلى «مكتب إعلامي» عربي في الغرب يدافع عن ضحايانا ويتنصل من الجرائم التي يتم اقترافها باسم الدين الإسلامي الحنيف، بل ويشجبها كما ترفضها قلوب ملايين المسلمين المسالمين؟
.. ستحدث مذبحة أخرى، يذهب ضحيتها العديد من المسلمين الأبرياء ولن يتبدل شيء إذا لم نبدل من سلوكنا ونقوم بالرفض العلني الجماعي لأي أذى يصيب صاحب دين آخر على يد «المتأسلمين».

العنف يركب حصان الحرية!

ذهبت اليوم إلى شارع الشانزيليزيه الباريسي كعادتي، لشراء الصحف بعدة لغات، وكان مشهد الجادة التي يدعونها الفرنسيون أجمل جادة في العالم يدعو إلى الاكتئاب.. مطاعم أحرقها متظاهرون كل سبت منذ أربعة أشهر ونيف كما (كيوسك) بائع الصحف على الرصيف! وتابعت المشي باكتئاب وأنا أرى واجهات المخازن الباريسية في الجادة محطمة، وعلى بعض المباني آثار الحرائق كما في مبنى في طابقه الأول أحد البنوك، وقُدرت الخسائر المادية بملايين الدولارات!..
تظاهرات «السترات الصفراء» عادلة المطالب، أما أساليبها فقد بدأت تصير همجية من إحراق للمخازن ولطاولات المقاهي ولتكسير للواجهات وإيذاء لرجال الشرطة.. وترويع للمارة..

حرية التظاهر لا الأذى

القانون الفرنسي يكفل حــــرية التظاهـــر.. لكن ما شاهده اليوم كل عابر سبيل في جادة الشانزيليزيه سيشعر أن «السترات الصفراء» نسوا الغاية من تظاهــــراتهم وتحول بعضهم إلى ساديين وناهبين لبضائع المخازن الفخمة متلذذين بإيذاء كل ما هو جميل في جادة باريسية شهيرة تزخر عادة بالسياح..

سلوك عربي حضاري

أكتب بحرارة لأن شيئاً مشابهاً حدث في لبنان غير مرة، وتنطلق صفارات إنذار داخل رأسي أمام أي أمر مشابه.. فقد أضحى المقيم في باريس وسواها من مدن (العنف) يتحاشى مغادرة البيت يوم السبت أو فتح (دكانه) خوفاً من أذى «السترات الصفراء» ذات المطالب العادلة والأساليب شبه الإجرامية. بالمقابل، لفتت نظري التظاهرات الجزائرية الحضارية المطالبة بتنحي الرئيس بوتفليقة دونما مظاهر عنف كتلك الباريسية.
هذا السلوك الجزائري الحضاري في التظاهر (وعكس ما يدور في باريس) حتى لحظة كتابة هذه السطور.
هذا السلوك علامة على الطريق.

loading...

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق