لا تنشر هنا

تالسينت بين سندان البطالة ومطرقة التهميش والإقصاء

 
جديد24_عبد السلام أمرجيج

إن مشكلة البطالة بشكل عام هي نتاج حتمي لتوجهات النظام الرأسمالي، وتتفاقم هذه المشكلة كلما تعمقت الأزمة داخل هذا النظام، بمعنى أن هذه الظاهرة هي ملازمة لهذا التوجه الاقتصادي، وهي غير مرتبطة ببرنامج للقضاء عليها أو استراتيجية معينة للحد منها، فالمشكل بنيوي أي داخل النظام الرأسمالي، هذا ما يفسر أن مشكلة البطالة تتصدر الملفات الاجتماعية المطروحة حاليا والتي تعد مشكل أساسي لابد من تقديم تصورات جديدة وتوجهات قادرة على الحد منها في أفق القضاء عليها، وبدون حلول جذرية لهذا المشكل ستظل البطالة هي المحرك الأساسي في بروز الحركات الاحتجاجية وخير تأكيد احتجاجات جرادة المطالبة ببديل اقتصادي، كذلك ما يشهده المغرب من تسريحات للعمال من طرف الباطرونة وخلق معطلين جدد تحت ذريعة الانكماش الاقتصادي جراء جائحة كورونا، وكذا خريجي المعاهد والجامعات، بالاضافة إلى تنامي حركة المعطلين على المستوى الوطني والخروج في احتجاجات مطالبة برفع البؤس والتهميش وتقديم بدائل اقتصادية ناجعة كان أبرزها احتجاجات معطلي بلدة بني تدجيت والذين تعرضوا للاعتقال بعد اعتصام دام عشرة أيام، كذلك معطلي بلدة كرامة والمناطق الجنوبية.

في هذا الشأن فبلدة تالسينت كباقي المناطق المغربية تعاني هي الأخرى سرطان البطالة، وتشهد سنة بعد سنة تزايد أعداد المعطلين في صفوف حاملي الشهادات العليا، وهذا راجع للمقاربة والاستراتيجية المتبعة من طرف مسؤولي الاقليم وتعاطيهم غير الواضح في تعاملهم مع هذا المشكل، بالخصوص اذا تسائلنا حول عوائق التنمية بالمنطقة وما تتوفر عليه من ثروات باطنية وأخرى طبيعية كفيلة باخراج الساكنة من الفقر والهشاشة، وليس فقط حاملي الشواهد من يعانون البطالة، بل حتى فئات الشباب الغير الحاصل على تكوينات وشواهد أكاديمية يكون مصيرهم مجهول بالخصوص في غياب التكوين المهني باللبدة وفي غالب الأحيان منهم من يتوجهون نحو المدن الكبيرة للعمل في ورشات البناء او يتوجهون نحو الشمال لعل بعض الشركات تمنحهم فرص العمل.

فمجمل ساكنة بلدة تالسينت تعاني من البطالة الموسمية لأن أغلب أنشطة أفرادها يشتغلون غالبا في فصل الصيف في الحصاد أو عشبة إكليل الجبل ” أزير “، كذلك تعاني الساكنة مما يسمى البطالة الاقليمية فنجد فئة من الساكنة اما تلجأ إلى مناطق اخرى مثل بني تدجيت أو بوعنان أو عين الشعير للعمل في المناجم وكلما انتهت الأعمال بتلك المناجم أصبحوا عاطلين عن العمل هذا من جهة، من جهة أخرى فالبعد الجغرافي ونقص في المواصلات جعل من بلدة تالسينت تعاني غياب الرواج الاقتصادي مما يعمق البؤس والهشاشة. أما على مستوى الضواحي التابعة لتالسينت فالحال لا يختلف عما هو بالبلدة، فمثلا منطقة بومريم وايت بلحسن اللتان تعتمدان على الرعي رغم توفرهما على مناطق مهمة من عشبة أزير وبعض العشب الطبيعية الأخرى، فأغلب السكان أصبحوا ينزحون نحو تالسينت من أجل إغتنام فرصة الحياة والعيش، رغم وجود تعاونيات تعمل في هذا المجال والتي لم تحقق الهدف المنشود من إنشائها وهو خلق فرص شغل جديدة وانتشال الساكنة من الفقر. الا أن أغلب هذه الثروات تتعرض لعملية التهريب مما ينعكس سلبا على استفادة تلك المناطق من عائدات الثروات الطبيعية والمعدنية لخلق بدائل اقتصادية، لأن استنزاف تلك الثروات معناه القضاء على أحد الموارد الأساسية في عيش الانسان بتلك المناطق وكذلك نجد ان على المستوى الاقليمي ليس هناك أي برنامج واضح في تدبير هذه المشاكل التي سوف تكون سببا في تعميق الازمة مستقبلا مما سيترتب عنه مشاكل اجتماعية واقتصادية جد خطيرة وسيعيدنا إلى أحداث بداية الألفية الثانية. كذلك مناطق بوشاون وما تتوفر عليه من أراضي شاسعة للفلاحة الا ان الدولة لا تقدم بعض التسهيلات لاستغلالها واستثمارها لتصبح موردا للعيش، واذا عدنا الى السنوات الاخيرة نجد ان هذه الساكنة تعتمد على الرعي ومع ندرة التساقطات عجل بمجموعة من الأفراد مغادرة مناطقهم نحو بعض المدن المجاورة من أجل البحث عن عمل يلبي حاجياتهم اليومية اضافة الى تعرض ثرواتهم الطبيعية للاستنزاف والتهريب بالخصوص مادة الجبس.

رغم توفر هذه الموارد الطبيعية والمعدنية والبشرية ببلدة تالسينت وضواحيها نجد أن هناك غياب تام لإستغلال الثروة البشرية والطبعية من اجل تحقيق التنمية بل حتى تلك البرامج التي تتغنى بها الدولة مثلا : إنشاء مقاولات، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، القروض، مخطط المغرب الأخضر، برامج لدعم وتمويل المقاولات…فغالبها يمنح بمنطق المحسوبية و الزبونية والقرابة ( باك صاحبي ) مثلا نسجل أن أغلب الذين يستفيدون من مخطط المغرب الأخضر هم العائلات الميسورة ويقصى أصحاب الشواهد والذين يحتاجون لمثل هذه المبادرات، كذلك الحال في انتقاء المستفيدين من برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نجد مسؤولي الاقليم يتعاملون بنوع من الانتقامية في تمويل المشاريع المقدمة من طرف معطلي البلدة وكذا تعقيد المساطر الإدارية والبعد الجغرافي عن الإدارت المسؤولة عن تدبير هذه الملفات، وغالبا ما تعطى حسب الأهواء والمصلحة بمنطق قديم وهو من معي يستفيد ومن هو ضدي يتعرض لللإقصاء.

أمام هذا الوضع، لا تجد فئة المعطلين إلا توحيد نضالاتها والخروج للإحتجاج وفضح المسؤولين عن تفاقم مشكل البطالة بالبلدة، بالخصوص ما شهدناه في السنوات الأخيرة من اعتصامات وتظاهرات ميدانية للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب فرع تالسينت، في فضح سياسات تدبير مشكل البطالة من طرف مسؤولي اقليم فجيج، والمحسوبية والزبونية التي تطغى على مباريات التوظيف العمومي، كذلك المطالبة بفتح مباريات لولوج وظائف الجماعات الترابية التي تعاني من نقص في الموظفين، اضافة إلى الموظفين الأشباح الذين يشتغلون ببطائق الانعاش الوطني، وغير مؤهلين لشغر تلك المناصب. وفي غياب فتح المباريات لولوج الجماعات الترابية بالخصوص بتالسينت وبومريم وأنوال وكذلك قيادات هذه المناطق التي تعاني نقص في الموظفين، بالاضافة لدائرة تالسينت، فإن فئة المعطلين يفضحون هذه الخروقات على مستوى التسيير اللامسؤول في تدبير الخصاص المهول في هذه القطاعات، حيث نجدهم يطالبون بخلق مناصب شغل تلبي حاجيات الجماهير بصفة عامة.

عموما يبقى مشكل البطالة قائما ما دامت الاختيارات والتوجهات التبعية لأنظمة الاقتصاد الرأسمالي هو العنوان العريض للسياسات المتبعة من طرف النظام المغربي، ولا يمكن الحديث عن حل جدري لهذه المعضلة ( تخفيض البطالة والقضاء عليها ) في غياب إرادة سياسية لفك التبعية الاقتصادية والسياسية للمؤسسات المالية الكبرى، في المقابل لا يمكن ان نتفاجئ في استعمال القوة وردع كل احتقان اجتماعي شعبي يطالب بتحسين شروط العيش الكريم والذي مدخله الأساسي هو الشغل القار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى