الحلقة التي لم تبث : الفقيد مصطفى اوماحي في برنامج قصة الناس على Medi1tv

خالد بورقية

اتصل بي معد برنامج قصة الناس سنة 2012، وطلب مني المشاركة في حلقة خاصة بالمعطلين. كانت تلك الفترة تعرف مدا قويا لحركة المعطلين التي شكلت احد الروافد الهامة لحركة 20 فبراير، كان المعد يرغب بمشاركتي باعتباري مسؤولا في الجمعية الوطنية وإصابتي بكسور متعددة خلفت إعاقة مرحلية (مدة خمس سنوات).

الرجل كان يبحث عن قصة وكان ردي انني سأمنحه قصة انسانية اكثر عمقا وتأثيرا من تجربتي داخل الجمعية الوطنية ومن اصاباتي البسيطة والعابرة. كان حديثي اليه عن الرفيق مصطفى اوماحي الذي عاش تجربة النضال ضد البطالة وكل ما يترتب عنها من اصابات واعتقالات، كان الرجل مترددا الى ان كشفت له عن جوانب من القصة: مصطفى حاصل على إجازة في التاريخ، امين مال سكرتارية تنسيق بني ملال، عضو المجلس الوطني للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب، اعتقل مرات عديدة وظل حكم بالغرامة يطارده (الى ان وافته المنية)، خاض الى جانب رفاقه سنة 2006، اضرابا عن الطعام لمدة 45 يوما، ويعمل بائعا في الاسواق، مياوما في موسم جني الزيتون، بائعا للسجائر بالتقسيط حين لا يسعفه شيء…

سال لعاب الرجل. وطلب مشاركتي الى جانبه، اقترحت عليه قصصا أخرى قبل منها قصة الرفيق زكرياء الساحلي عضو المجلس الوطني للجمعية الذي فقد رجليه تحت عجلات قطار مجنون أثناء عودته من المعركة الوطنية الى مدينته القصر الكبير، وقصة الرفيق الحسين امرجيج من تالسينت الحاصل على ماستر والذي كان يعد للدكتوراه ويعمل نجارا ويناضل حينها في صفوف مجموعات الاطر العليا كان هذا طبعا بعد نقاش عميق مع الرفاق المعنيين ورفاقي في الجمعية الوطنية. نهاد بنعكيدة مقدمة البرنامج تواصلت معي مرتين من اجل التفاصيل بينما تواصل معي المعد طيلة تلك الفترة وكان يؤكد تلميحا أو توضيحا الى ضرورة عدم تجاوز الخطوط الحمر.

قصة الرفيق مصطفى اوماحي بشكل خاص إضافة الى عمقها الانساني، تلخص توالي وتعاقب السياسات اللاوطنية واللاديمقراطية واللاشعبية في التعليم والتشغيل على مدى عقود، قصة تلخص ما فعل النظام المغربي منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي الى وقتنا الراهن، كما تشكل نموذجا صارخا لأثر هذه السياسات على ابناء الشعب، على الافراد وعلى حياتهم اليومية.

وصلت الى استوديوهات القناة بالرباط برفقة الرفيق مصطفى، كان الاعداد متهيبا، وأعادت والدة نهاد بنعكيدة، التي كانت ضمن فريق الاعداد التأكيد علي ان الحديث سيكون على ما هو انساني في قصص الرفاق. إلى جانب الرفاق الثلاثة كانت فتاة من ضحايا برنامج “مقاولتي” ان لم تخني الذاكرة او احد البرامج التي كانت ترعاها الدولة، فتاة في نهاية العشرينيات، فتحت شعارات التشغيل الذاتي والمبادرة وغيرها شهيتها وفتحت مشروعا تجاريا لم ينجح رغم مروره بمسطرة معقدة من التدقيق والمراجعة والمصاحبة من طرف ANAPEC. الفتاة انتهى بها المطاف الى العمل بأجور متدنية وبدون حقوق في مقاولات ومؤسسات من اجل دفع اقساط الديون التي اخذتها من اجل مقاولتها الخاصة، ورغبة في عدم كشف وجهها وضعت الفتاة نقابا ونظارة.

جمهور الحلقة كان من طلاب احد المعاهد الخاصة، احضروهم بواسطة حافلة، وكانوا شبابا في بداية العشرين من اعمارهم.
في ذلك البرنامج كانت قصص الرفاق مؤثرة بشكل لا يصدق، ولكن تحليلهم كان مبهرا. وكان رفيقي اوماحي كما لم اره من قبل، تحدث بطريقته الجذابة وبلغة بسيطة وعميقة، كان يحكي قصته ويربطها بالقرارات السياسية والبرامج المتعاقبة للحكومات دون اي صعوبة، لم يكن مضطرا لالقاء محاضرة او النطق بموقف سياسي، كان الاستماع لقصته كافيا ليتخذ المشاهد والمستمع موقفا، اذكر ان مقدمة البرنامج نهاد بنعكيدة عبرت بانبهار عن طريقته في سرد القصة وكيف يظهر جليا وواضحا تأثير “قرارات الناس اللي فوق”، حسب تعبيرها على حياة ومستقبل كل فرد في المجتمع، كانت منبهرة بالرفاق الثلاثة وبينما اكتفوا بالسرد كانت هي في تعليقها تعبر عن الموقف، الفتاة التي احضروها كنموذج لشباب رغبوا عن النضال ربطت قصتها بقصصهم وانتهت الى القول ان سبيلها الان هو النضال والتمرد على كل شروط القرض الذي ورطتها فيه “شعارات الدولة” بتعبيرها، “الكوتش” الذي كان مشاركا والذي من عادته ان يمارس “التوجيه والوعظ والاستاذية” على الضيوف كان يتناغم مع المواقف التي تعبر عنها مقدمة البرنامج، وقال بوضوح ان “هؤلاء الشباب اساتذة في الحياة والطاقات التي تحتاجها البلاد”.

النضال في تلك الحلقة كان مفتاح الجميع من اجل اي تغيير، والمسؤولون وسياساتهم كانوا في زاوية الادانة، الجمهور لم يكن بحاجة الى من يملي عليه متى يصفق، بل كانت مقدمة البرنامج احيانا توقف البرنامج وتطلب من التوقف. كانت حلقة متميزة باعتراف نهاد بنعكيدة ومعد البرنامج في نهاية الحلقة وكان اتفاقنا من البداية الا يحذفوا اي شيء في المونطاج الا للضرورة التقنية.

انقضى الموعد الذي اخبرونا فيه ببث الحلقة، تواصلت مع نهاد بنعكيدة فأخبرتني انه تم تأجيلها الى موعد ثان، انتظرنا، لم تبث، اتصلت بها مرة ثانية فلم يعد هاتفها يجيب، اتصلت بالمعد فرد علي مرة وقال انه ستبث قريبا وان الامر مرتبط بالبرمجة، لكنه بعدها لم يعد يجيب على اتصالي. لم تبث الحلقة.

لاحقا علمت انهم قرروا عدم بثها، بل انهم بحثوا عن معطلين اخرين، طلبوا من الفتاة التي شاركت الى جانب الرفاق ان تشارك في التسجيل الجديد، وقالوا لها ان الحلقة لم تبث بسبب النقاب الذي اردته (بعد تلك الحلقة) بثت حلقات عديدة لنساء وضعوا النقاب ليخفوا شخصياتهم). وافقت الفتاة على المشاركة معهم بشرط اعادة استدعاء الرفاق الثلاثة الذين شاركوا معها، واستعدادها لإعادة التسجيل معهم.. لم يتصلوا بها ثانية، لم يبثوا الحلقة، لم يعطونا ولو توضيحا او عذرا واحدا لذلك. انتهكوا مهنيتهم بسبب اوامر من جهة ما.

مصطفى لم يتأسف على ذلك وحلل الامر بهدوء وبطريقته المعتادة، انا من كنت متأسفا على فرصة رغبت ان يرى بها المغاربة ذلك الرجل النبيل والرفاق الذين كانوا معه. تحدث مصطفى قليلا في الموضوع ثم لم يفتحه مرة اخرى.

loading...

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق