ثقافة وفنجديد24سلايدرفن ومشاهير

سؤال الانتقال الثالث في حفريات صحفية من المجلة الحائطية إلى حائط الفايسبوك لجمال المحافظ

 

إدريس جبـري

ملاحظات على هامش كتاب الحفريات

تأتي قراءة كتاب: حفريات صحفية، من المجلة الحائطية إلى حائط الفايسبوك(2022)، للباحث والصحافي والإعلامي جمال المحافظ، في سياق تقديم كتابه وتوقيعه والاحتفاء به، ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب والنشر في دورته 27، لسنة 2022،  وذلك بمدينة الأنوار عاصمة المغرب الثقافية، الرباط.  حصل كل هذا في فضاء مجلس الجالية المغربية بالخارج، برمزيته، وأناقة فضائه، وجميل تأثيثه . طبعا، مع حضور  بهي لرئيسه إدريس اليزمي، مقدما للكتاب، وفي الوقت نفسه قارئا له. وقد تشرفت بقراءة الكتاب وتقديمه، (والقراءة لا تخضع للرقابة ص324) لكن من موقع قارئ هاوٍ للصحافة والإعلامي والاتصال، رغم أني أشرف على تكوين في الصحافة والإعلام، وأدرس مواد مختلفة ذات صلة به، وأدير مجلة علمية في إطار قانون الصحافة. وقراءة الهاوي، في كل الأحوال، ليست بقدر قراءة المحترف المهني في المجال ومصداقيته، وقد يكون مدخل محلل الخطاب ومقتضياته شافعا ومفيدا…

ومع ذلك، غامرت بقراءة  كتاب: حفريات صحفية، من المجلة الحائطية إلى حائط الفايسبوك، وغامرت بقراءة صنوه السابق: الصحافيون المغاربة والأداء النقابي في الإعلام (2018)، مع ما تيسر لي من قراءة لمقالات ودراسات عديدة نشرها الكاتب الصحافي في منابر مختلفة، ورقية وأخرى رقمية . وبدأت أتلمس تجربة الكتابة الصحافية عند الأستاذ جمال المحافظ، وأكتشف قدرته في التأليف ومواكبة الأحداث، واستنطاق الذاكرة، وربط الماضي بالراهن والأفق المرتقب. فالغالب أن الصحافيين، وبحكم عملهم الميداني، لا يكتبون بهذه الوثيرة وهذا الزخم الذي كتب به جمال المحافظ، أو الطريقة التي بها كتب ما كتب. مؤلفان ضخمان، كتابه الأول، الصحافيون المغاربة الذي يتكون من 383 صفحة من الحجم المتوسط، وكتابه، حفريات صحفية الذي يضم بدوره 390 صفحة أيضا من الحجم نفسه، وكتابة بخط صغير.

صحيح، لم أتشرف بمعرفة سابقة بجمال المحافظ، على غرار بعض أصدقائه وزملائه في المهنة والتخييم والصُّحبة. جالسته سويعات معدودات، في سياق طارئ، وتجاذبنا أطراف الحديث في سياق غير السياق. وفيه أهداني، وبشاعرية باذخة، كتابه : الصحافيون المغاربة، والأداء النقابي في الإعلام، السياق والتحولات، (12 ماي 2022، ببني ملال). بدأت، على عجل، أتفحص الكتاب واستكشف خريطته ومحتوياته… وأربط بين الصحافة والنقابة، وبين الإعلام والنقابة… سلمني ذلك إلى فرضية مفادها أن الكتابة  شبيهة ببطاقة تعريف للكاتب أو قريبة منها، مع مراعاة الفروق الممكنة، وحامل يساعد على تنوير القارئ بمسار الكاتب ورؤاه ومواقفه واختياراته الكبرى والصغرى… بهذا القدر أو ذاك… فالكتاب في المحصلة أطروحة أعدها الباحث لنيل شهادة الدكتوراه في القانون في موضوع: تاريخ النقابة الوطنية للصحافة المغربية، بمسار ها الطويل ومنعرجاتها الصعبة، وتفاعلا مع تحولات المجتمع وسياقاته، وتقلبات السياسة و”مزاجات” قاداتها الممارسين، وآثار كل ذلك على التغيرات التي عرفتها الصحافة والإعلام المغربيين، وستعرفها، بما لها من مردودية على المهنة والمهنيين…

لم يمر الشهر الواحد على حصولي  على الكتاب الأول لجمال المحافظ حتى تلقيت الكتاب الثاني تحت عنوان: حفريات صحفية، من المجلة الحائط إلى حائط الفايسبوك(2022)، بغرض تقديمه في المعرض الدولي للكتاب والنشر في دورته السابعة والعشرين، بالرباط. عدت إلى الكتابين، وجوارهما، وبحماسة “زائدة”، وتوجس “مهيب” بفضاء التقديم والمشاركين فيه، فأعدت قراءتهما معا، وبرؤية نسقية، على أن يكون الكتاب الأخير مدار القراءة والتقديم. وفي الإعادة بدأت أكتشف، ليس فقط مضامين ما أقرأ، ولكن كذلك أرسم ملامح شخصية الكاتب الصحافي ومساره المهني والمجتمعي، وأستخرج معالم صورة المواطن جمال المحافظ، بتعبيـر ذ . اليزمي، على عادة فعل التشكيليين والرسامين والروائيين، علما وأن الكتابين وجوارهما، في تقديري، تجربة فردية لكاتب مفرد، من مواقع مختلفة، مهنية ومجتمعية وسياسية ونقابية، يمتـزج فيهما الذاتي بالموضوعي، والكائن بالممكن، والراهن الواقعي بالتاريخي. فكتاباه وجوارهما، بوح وتوثيق لسيرة الكاتب ممارسا ومسؤولا، وسيرة لجيله ورفاقه ومعلميه،(انظر تقديم عبد الله البقالي، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، ص5) من جهة، ومن جهة أخرى رصد للأحداث الصغيرة والكبيرة، التاريخية والراهنة، الوطنية والقومية والدولية، في جدلية الحاضر والماضي والآتي، ومن زاوية مهنية واثقة من أدواتها ورهاناتها.

وأستطيع أن أجازف بالقول إن الدكتور جمال المحافظ، خاصة في كتابه، الصحافيون المغاربة، قد كان مخلصا للكتابة العلمية الأكاديمية الصلبة (Hard) وضوابطها، يوثق الاقتباسات ويحددها على امتداد الكتاب، ويحيل على المراجع  باللسان العربي وغير العربي، ويثبتها(ص262 – 301)، ويعين الملاحق والصور ويحصرها في موقعها (ص275 وما بعدها) ويحتـرم قواعد الكتابة العلمية المرعية في العموم، إلا في حالات تؤكد القاعدة وتشهد لها؛ لكن في كتابه الأخير: حفريات صحفية، يتوارى الأكاديمي  ويتراجع ويخفّ (مرن Soft)، ويغلب المهني ويسود، سواء باحترام قواعد العمل الصحافي، بهرمه المقلوب، وعناوين صحافية وبريقها (ص44-55- 67-103-207-239-298..) أو بمراعاة طبيعة الأجناس الصحافية وخصوصية كل منها، وفوقها مراعاة الأخلاقيات المهنية المستبدة بالكتاب والكاتب (ص19- 21- 48-67-107-219-256-313..) مع حضور بائن للهاجس التوثيقي والتعليمي والبيداغوجي، لغة وعبارة، وبسطا وعرضا (ص23-55-180-189-250-289-348..). إضافة إلى ذلك، يصعب إغفال الانتماء النقابي “النضالي” الذي يخترق الكتاب، عند الرفيق جمال المحافظ، بالمعنى المتداول في الجمعية المغربية لتربية الشبيبة عصرئذ (لاميج سنة 1956، ص357- 338) خيمة الصحافيين،  وغيرته “الجارفة” على “صاحبة الجلالة” وعلى وطن ه(ص97-328) وإن بنَفَسٍ احتجاجي تقطر من عباراته ومواقفه وبعض أحكامه (ص321-274-)، وبنـزوع  مثالي حالم لا يعتـرف بالحدود والحواجز(ص325)، ولا يتردد في الصدح بما يعتقده حقيقة (على تعذر القبض عليها ص134)، وفي إصدار الأحكام (ص80)، وبمرجعية قانونية، على صعوبة التوفيق بين الأخلاق والقانون، والقانون الدولي ومشروع الحكومة في تجريم المقاطعة في هذا الباب (ص164- 165-293- 282- 324…) وبانتصار لخط صحافي إعلامي محفوظ (ص 160- 272- 274…)، وخط نقدي يقظ ملازم لما يكتب (ص263-284-320..)، مع تداعيات حرة من فائض ذاكرة وخواطر مساء (ص261..).. ذلك بعض ما سنعرج عليه في الفقرات الموالية، بما يتيحه المقام ويسمح به.

أولا- عتبات كتاب الحفريات الصحفية

  1. عن عنوان الكتاب: تأملات وأبعاد

 وددت لو كان عنوان الكتاب: حفريات صحافي، عوض حفريات صحفية، وذلك حتى يكون الحفر فاعلا وليس مفعولا ولا منفعلا، أي حفرا يقوم به الكاتب نفسه كحافر في مسار صحفي ممتد ومتموج، وفي مسار جمعوي عريض وعميق، وفي مادة صحفية بلا ضفاف… لكن قد أتفهم اختيار الكاتب وتبعاته، وهو يفضل أن يقوم بعمليات حفر في  مجال محدد ومسيج هو المادة الصحفية دون غيرها، وهذا أمر في حاجة إلى تأمل ومراجعة، ستتضح بعض معالم الإجابة عنه. واستحضر هنا سيرة الراحل محمد عابد الجابري بعنوان: حفريات في الذاكرة من بعيد، أي العودة إلى الذاكرة لإعادة كتابة سيرة ذاتية للكاتب، من بعيد… أي من زمن مضى وولى منذ أمد بعيد، يصعب القبض على نواته المؤسسة، وتفاصيله المتشظية. والحفر في الذاكرة شبيه بالحفر عن قطع أثرية قاومت عوامل الزمن والتحلل والاندثار لإخراجها وتلميعها وتنسيقها، وذلك بتخليصها مما تراكم حولها من مواد لا أثرية، لا تاريخية…أو منتهية الصلاحية (ص121).

والحفريات أو الأركيولوجية هي بحث في الأصول والجواهر والبدايات. وتعرية للخفي المضمر من تركة تنتمي إلى الذاكرة وآثارها.  هذه الآثار، من أحداث ومواقف وقرارات ورؤى، واختيارات، وتجارب، وشخصيات… لا تنطق بنفسها إلا بوجودها في سياق زمني محدد، يعطيها المعنى ويضمنه كمحصلة للذاكرة، بما هي “الحضرة بالقرب من…هي أن تظل مشدودا إلى…لا إلى الماضي وحده وإنما الحاضر وكل ما سيأتي، بلغة بنعبد العالي، ص91، الكتابة بالقفز والوثب)، كما القِطع الأثرية. وأعتقدها شبيهة بتجربة المجلة الحائطية التي تعد إرثا  تاريخيا حيا مباشرا للكاتب ولمن جايله وقتها، في مقابل تجربة راهنة واعدة وغامض مآلها، تتصل بحائط الفايسبوك، وما يرتبط بالثورة الرقمية وتحدياتها العاجلة والآجلة في مجال الصحافة والإعلام، وما يتصل بهما (ص139-140- 142..).

 يقول الكاتب الصحفي جمال المحافظ،  والفاعل الجمعوي، وعلى لسان مجايليه وأصدقائه ورفاقه مؤكدا هذه الخلاصة وشاهدا عليها:” فالمجلة الحائطية كانت إحدى الوسائط الهامة التي مكنتني شخصيا من تملك العديد من المهارات والمعارف. واستحضر هنا مثالا واحدا، المنافسة حيث كانت المنافسة قوية بيننا نحن أصحاب المجلة الحائطية ب “لاميج” من جهة وأصدقاؤنا ورفاقنا في جمعية “الهدف”. وكانت هذه المنافسة تدفع كل طرف إلى الاجتهاد والبحث المستمر لتكون مجلته هي الأفضل. فالمنافسة لم تقتصر على المضامين فحسب، بل أيضا على الشكل واعتماد الصور والكاريكاتور والرسوم البيانية واختيار أجود الخطوط (كانت كل المواد تكتب بخط اليد وكانت المجلة تجدد مرة كل أسبوع. ص140).

لم يكن الانتقال من المجلة الحائطية، بهواجسها التربوية وفضاءاتها الاجتماعية والثقافية، وطابعها التعليمي، وإشراطاتها التاريخية، وإرغاماتها السياسية،  وقضاياها الوطنية (الصحراء المغربية) والقومية (فلسطين) إلى حائط الفايس بوك، بما هو نتيجة طفرة تكنولوجية هائلة،  انتقالا  “سلسا” وعاديا وطبيعيا. ضاع “الزمن الجميل”(ص141)،  كما نعته الكاتب، وتبخرت لحظات “وردية”، وغابت قدوات وعلامات على الطريق…إحساس بالغربة والحيـرة والأسف والألم والفقد، ومع ذلك، ثار المحافظ على المحافظ فيه(السَّلَفي)، وانخرط في المتاح البشري، بلغة عبد الله العروي، وانتصر على تاريخ كان ولم يعد (المجلة الحائطية وسياقاتها) جعلت المواطن جمال المحافظ  يرصد آليات هذا الانتقال وينخرط فيه، ويستفيد من فتوحاته، وينبه إلى مخاطره ومنزلقاته، وإيجابياته وسلبياته. لقد تنبأ  لأهم ذلك  زميله في المهنة محمد البريني في كتابه: الكهف والرقيم (2017)، ولم يدرك حقيقتها أهل الكهف من المناضلين السياسيين حينها، وكانت القبضة الحديدية والضربة قاسمة وكانت أيضا أزمة الصحافة المكتوبة أو الورقية (ص17-28) وانتشار الأخبار الكاذبة وتناسل الإشاعات (18-26..). انتهى “الزمن الجميل” مع المجلة الحائطية، ولم يعد يقوى على الصمود وسط أعاصير الرقمنة، وإغراء وسائط الاتصال (ص141- 143) وبدأ زمن آخر بلا ملامح ولا معالم…فإما أن نواكب… أو نواكب…إما أن يتكيف الجيل الجديد من الصحافيين والإعلاميين بزمن جدار الفايس بوك وتوابعه، أو يلتحقوا بأهل الكهف ومصير كلبهم…

  1. في تقديم إدريس اليزمي للحفريات: الدلالات والمقامات

       هناك من الكُتاب من يُصدر كتابه دون تقديم من أحد، كيفما كانت الشخصية المفتـرض أن تقدم، وحجيتها في التأليف، ووزنها  الثقافي والمعرفي والرمزي. وربما تلك سُنة الكتاب الراسخين في الكتابة والتأليف. وهكذا، لا نجد تقديما لكتاب من كتب محمد عابد الجابري، ولا لكتاب من كتب عبد الله العروي، أو من اشتهر اسمه، وذاع صيته، وترسخ قلمه.  طلب التقديم  قد يكون  لمن يبحث عن حجة تعضد تجربة أولية في الكتابة دون تعيين، وقد يكون  التماسا للإعلان عن الانتماء إلى حقل الكتاب ومدار اشتغاله(حال تقديميْ كتاب البرلمان وحقوق الإنسان، لعبد الرزاق الحنوشي، لكل من خديجة مروازي، بصفتها الأكاديمية، ومحمد بوعزيز  بموقعه في الوزارة المكلفة بعلاقات مع البرلمان).  أعتقد ذلك حال الباحث الدكتور جمال المحافظ. فقد اختار، وإن غابت عني أسباب الاختيار وملابساته، أن يقدم لكتابه الأول، الصحافيون المغاربة، الأستاذ عبد الله البقالي. ولم يكن الاختيار اعتباطيا، فهو خبير في الصحافة والإعلامية، وعلامة فيهما، وهو كذلك رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وحجة معتمدة في موضوع الكتاب ومخرجاته. إنه ضمانة على حجية الكتاب والكاتب، وإعلان على إجازته للقراءة في هذا الميدان بالذات (ص6-7).

لكن هذه المرة،  ومع  كتاب: حفريات صحفية، من المجلة الحائطية إلى حائط الفايس بوك (2022)، اختار الرفيق جمال المحافظ هذه المرة أن يقدم لكتابه الأستاذ إدريس اليزمي.  كما أشرت سابقا. يظهر أن السبب، بعيد كل البُعد عن الصّحبة والصداقة أو حتى المهنة. فاليزمي أحد رموز حقوق الإنسان بالمغرب وخارجه، إلى درجة أصبح يعرف في الأوساط الدولية بالسيد حقوق الإنسان Les droits de Hommes   Mr . ويكفي أن أذكر فقط أنه رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، قبلا، ورئيس الجالية المغربية بالخارج حاليا. وأعتقد أن تقديمه للكتاب راجع بالأساس، فيما أعتقد، إلى الارتباط اللزومي بين الصحافة والإعلام ومرجعية حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحرية، بما هي أكسيجين الصحافة ومدار الإعلام. مسوغ تقديم كتاب حفريات صحفية إذن، راجع  إلى رمزية الرجل في مجال حقوق الإنسان، والشاهد على مسارها في المغرب وخارجه. فالتقديم للكتاب تشريف له ولكاتبه، ودعم رمزي لهما. وإذا جاد الزمن وجاد بحضوره البهي لتقديم ثانٍ للكتاب وتوقيعه في المعرض الدولي للكتاب في دورته 27، فذلك إمعان في التشريف، وإشهاد على بذل الرجل ودماثة خلقه. إذا أضفنا إلى ذلك، أن كتاب حفريات صحفية قد تم تقديمه برواق الجالية المغربية بالخارج التي يرأسها اليزمي، أدركنا المقام الأعلى الذي  تبوأه جمال المحافظ في مقام إدريس اليزمي…عطاء بلا حدود، ودفق إنساني بلا قرار…(ص7، من كتاب البرلمان وحقوق الإنسان، مرجعيات وممارسات، لعبد الرزاق الحنوشي).

3.      عن الكلمة الضرورية لمحمد القرطيطي أو الشاهد الأمين على تجربة المجلة الحائطية

لم يكتف الدكتور جمال المحافظ بالتقديم الباذخ لإدريس اليزمي الذي  رصع به جبين كتابه الحفريات الصحفية، وبلغة عربية منتقاة، الله وحده يعلم مدى الجهد الذي بذله من أجل ذلك، بل ارتأى، في حدود علم القارئ، أن تكون كلمة الأستاذ محمد القرطيطي، رئيس الجامعة الوطنية للتخييم، وداعم لطبع الكتاب، إكليلا على رأس الكاتب وكتابه، وشاهدا أمينا على تجربتهما المشتركة في تجربة المجلة الحائطية، برهاناتها المختلفة لجيل بأكمله، أو بالأحرى لأجيال كثيـرة (ص352). وحسنا فعل المواطن جمال، ليس فقط ردا لجميل حاصل، ولكن لأنه صورة أخرى من رفيقه  سي محمد القرطيطي على امتداد “ثمانينيات وتسعينيات القران الماضي”(ص8). وهي كلمة لا بد منها فعلا، لأنها بمثابة مفتاح إجرائي لقراءة حفريات الصحفية، ونفض الغبار على الآثار التي غطتها لمدى من الزمن، أو ما سماه الكاتب، بملفات الماضي (ص121). فهو يتولى تقديم معالم الدخول الى عوالم الكتاب ومعرفة أسرار زمن المجلة الحائطية، أو موضة الثمانينيات بلغة ذ. اليزمي، قبل أن يتجاوزها، نحو حائط الفايس بوك، ويستسلم للتحولات السريعة في مجال الصحافة والإعلام والاتصال، ومقتضيات الثورة الرقمية (ص51-135-144-…)

ما كان  ذ. إدريس اليزمي في تقديمه لكتاب الحفريات، أن يورد حكاية لقائه بالسي محمد الحيحي بباريس سنة 1991،  وتذكيره بالصلات الوثيقة بهذا الأخير بالشهيد المهدي بنبركة، فضلا عن ترأسه للجمعية المغربية لحقوق الإنسان (1989-1992)، وتأسيسه للجمعية المغربية لتربية الشبيبة (لاميج سنة 1956)، لولا معرفته الأكيدة بعمق الروابط التي جمعت المرحوم الحيحي مربيا للأجيال، بالكاتب جمال المحافظ، والآثار الأكيدة المترتبة عن ذلك، سواء على مستوى  اهتمامه بالفعل الحقوقي، والقانون المؤطر له، واختراقها للكتاب واضح، أو  على مستوى التربية والتكوين والتنشيط والتطوع والتخييم والخدمة الاجتماعية، وحضوره الوازن على امتداد الكتاب حاصل. ويكفي أن أذكر  في هذا السياق، أن الجمعية المغربية لتربية الشبيبة، هذه الجمعية الوطنية الرائدة، ومعها جمعية الطفولة الشعبية، وجمعية المواهب، ومعها جمعية الشعلة للتربية والثقافة، لم تكن جمعيات عادية، بل كانت مدارس للتكوين على المواطنة والنضال، والتدريب على الكتابة في قضايا وطنية وقومية ودولية.  وجمال المحافظ، خريج هذه المدارس والمسهم فيها، وواحد من أبنائها البـررة، وثمرة من ثمارهم الطيبة اليانعة. لعل منها كتاب حفريات صحفية، بجناحي: الناشط المجتمعي، الذي شغلته، بالتعبير الشعري الجميل لمراد القادري ( رئيس بيت الشعر في المغرب) “قضايا التربية والتثقيف والتنشئة الاجتماعية …جاء مدادها من محبرة المُربي والحقوقي محمد الحيحي، والصحافي الإعلامي الذي نشأ في حضن السياسي والإعلامي محمد العربي المساري…

ثانيا- عن الحفريات الصحفية وعسر الانتقال

  1. تقديم الكتاب والتعريف به، وسؤال الانتقال من الورقي إلى الرقمي

يتضمن كتاب حفريات صحفية للدكتور جمال المحافظ، ما يقرب من مائة مقالة صحافية وحوار وملحق من حوارات صحفية حصرية، بأحجام مختلفة، ومواضيع وأحداث متنوعة جدا، في الماضي والراهن، مع حضور شخصيات وازنة  ومؤثرة في الحقل الصحافي والجمعوي والسياسي، ومن أجيال متتابعة. وهي مقالات وحوار نشرها الكاتب الصحافي جمال المحافظ ما بين 2018 و2020، في مختلف المنابر الصحفية، والمواقع الإليكترونية المغربية والعربية، وجمعها في كتاب بالعنوان المذكور، وإن غاب عني الناظم لها، وخلفيات ترتيبها كما وردت في الكتاب، وحضرت فرضيته القائمة على انتقال الصحافة والإعلام من الورقي إلى الرقمي، وجدليتهما خاصة بالشرط السياسي وسياقاته، والمقتضيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية وتحولاتها للمجتمع الحاضن لهما.

في الحقيقة ذهلت ذهولا كبيـرا، وأنا أقرأ الكتاب وأجول في أروقته المتنوعة، أجد الكاتب يجول بقارئه العالم على “بساط الريح”، وهو يشد بيده ليخبـره بما يجري في أمريكا من نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة بين ترامب وبايدن، ودور الإعلام في ذلك (ص84- 85… )، وليطلعه بما يحدث في فرنسا وحال جريدة ليبيراسيون اليسارية بعد خروجها من مجموعة “ألتيس” سنة 2020(ص308- 309)، وليقاسمه حصيلة رحلته إلى روسيا في الذكرى المائوية على اندلاع الثورة السوفياتية في 1917، والتذكير برموزها  والوقوف عند أطلالها التاريخية والسياسية ومؤشرات  التحولات الكبرى التي تعرفها روسيا الجديدة تحت قيادة فلاديمير بوتين (ص361-362-363..)، ليعرج به إلى تركيا في مقارنة تربط بين تنبؤات أورهان باموك في روايته العالمية “ثلج”، ومآل الانتخابات البلدية في المدن الكبـرى بتركيا في مقدمتها إسطنبول زمن الرئيس الطيب رجب أردوكان (ص364…).

طبعا، لم يتوقف الكاتب الصحافي جمال المحافظ في “التجوال” بقرائه عند هذه البلدان المذكورة وما جرى فيها من بوابة الصحافة والإعلام، بل أبى إلا أن يحيطهم بما يجري كذلك في الدول المغاربية من البوابة نفسها، ودورها في النهوض بالديمقراطية، وسير مجتمعاتها، وفي النضال من أجل توسيع هوامش حرية الصحافة وحرية التعبيـر (ص130) خاصة في تونس في سياق  ما أصبح يدعى ب”ثورة الياسمين” سنة 2010 (ص77- 129..) والجزائر  وواقع “احتكار الدولة لمجالات الطباعة وتوزيع الصحف وسوق الإشهار” (ص76- 78- 129-131…)  وإن خصص عديد المقالات لمسيرة الصحافة والإعلام في المغرب، ماضيها وراهنها ومستقبلها المنتظر، كما سنرى لاحقا.

 إن اللافت لنظر قارئ لكتاب حفريات صحفية هو عديد المقالات التي دبجها الكاتب الصحافي عن القضية الفلسطينية في مرآة الصحافة والإعلام، وأسباب تراجع حضورها، سواء بسبب الانقسام الفلسطيني –الفلسطيني، أو  سواء بسبب تراجع القضية الفلسطينية لحساب الشأن الداخلي للدول العربية، أو  سواء جراء التغييرات السياسة الدولية، والتأثير القوي  للدعاية الإسرائيلية (ص189-190..). ولا غرابة في هذا الاهتمام “الزائد” بالقضية الفلسطينية للرفيق جمال المحافظ. (ص143-188- 295…) إذا علمنا تنشئته الاجتماعية والسياسية والثقافية الأولى ودورها في الالتزام بالقضايا القومية، على رأسها القضية الفلسطينية. إنها تنشئة  “الزمن الجميل”  مع مدرسة الجمعية المغربية لتربية الشبيبة (لاميج) في الموسيقى والغناء والحياة والوطن والقضية الفلسطينية (ص336) مع أغاني الشيخ إمام ومارسيل خليفة وفرقة العاشقين الفلسطينية(ص354).

غير أن الانتماء إلى الوطن، والانتصار لقضاياه،  كان أكبر من كل انتماء عند المواطن جمال المحافظ،  ولعل هذا ما يفسر طرحه لأسئلته الصغيرة والكبيـرة، الراهنة والمستقبلية، خاصة من مدخل الصحافة والإعلام. فالحرص على التذكير بأسماء أعلامها القدامى والمحدثين، وفي مجالات مهنية ومعرفية مختلفة،  في الصحافة الحزبية وغير الحزبية، كما  في السياسة والمجتمع المدني، كما في الفكر والثقافة والسلطة …  وإن أفرد الكاتب جمال المحافظ للصحافة والإعلام وقضاياهما ورهاناتهما حيزا معتبـرا،  في تتبع مختلف الأحداث “الحارقة” من مختلف المناطق الجغرافية للمملكة، في الشمال (حراك الريف وجرادة (ص125 – 184…)  وفي الجنوب والشرق والغرب، وبمهنية وحس نقدي ظاهرين، بأقدار متفاوتة. بل الأدهى من ذلك  تتبعه للمجال الأثير  والمؤطر للصحافة والإعلام؛ الأمر يتعلق بحال حقوق الإنسان في المغرب، والحريات بكل أنواعها، خاصة مع اعتقال بعض الصحافيين ومتابعة آخرين، وما آثاره ذلك من نقاش بين منظمات حكومية وأخرى حقوقية وأكاديمية (ص293) رابطا إياها بالعلاقة بين  القضاء والإعلام بالنظر إلى صلاتهما ب”الحريات والحقوق، وترسيخ مبادئ المساواة والإنصاف  وحقوق الإنسان، وتعزيز الخيار الديمقراطي”…(44)، واستدل لها بقرارات الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي لما كان “يجلد” الصحافة، وحين أعدم “ثلاثة صحف دفعة واحدة واعتقل صحافيين وآخرين ظلوا متابعين في إطار سراح” (ص363). تلك مهمة الصحفي المهني حيث “ليس مطلوبا منه أن يكون لا يساريا ولا يمينيا ولا “إسلاميا”، وإنما صحافيا نزيها”…( ص 160- 285 )….

 لم يكتف جمال المحافظ بالكتابة في القضايا السابقة الذكر، والحفر في طبقاتها ومحيطها، وبنفس صحافي مهني، بل كتب كذلك عن قضايا مستحدثة، مثل أزمة الصحافة والإعلام زمن وباء كرونا، وشروط التأقلم معها (ص28- 196- 228-256…)، وتطرق لواقع الصحافة الورقية في ظل الزحف التكنولوجي، وأثرها عن المقاولة الصحافية (ص236..)، كما دافع عن اللغة العربية في الإعلام، ودورها في حماية هوية المجتمع، انسجاما مع السيرورة التاريخية للمغرب، ومنطق الواقع القائم (ص89…). فضلا عن ذلك، توقف المحافظ على حركة المقاطعة لبعض العلامات التجارية في المغرب  وأبعادها وتداعياتها  في ظل الثورة المعلوماتية والرقمية وتكنولوجيا الاتصال (ص106)، ناهيك عن  بسطه لموقف الصحافيين من قضية الإعدام  والحق في الحياة، وبالتالي الدعوة إلى إلغاء عقوبة الإعدام تحت أي ذريعة كانت (ص181)، زيادة على ذلك تناول الكاتب قضايا ذات منحى سياسي، وبخاصة قضية الديمقراطية في المغرب  ودور الصحافة والإعلام  على تعزيزها(ص325)، وإن أسهب في الحديث عن أخلاقيات مهنة الصحافة وإكراهاتها، وأشبعها بحثا وعلى امتداد الكتاب(ص48-67-219-313-..) لتحصين الأداء المهني للصحافي، ووقايته من أي انزلاق أخلاقي يمس بحرمة الصحافة و”قدسية” رسالتها.

على العموم، من الصعوبة بما كان الإلمام بكل القضايا والأحداث التي تناولها الكاتب جمال المحافظ في كتابه الحفريات، أو الإحاطة بكل الأسئلة التي أثارها، والشخصيات الإعلامية والسياسية وغيرها التي تطرق إليها بكثير من الجرأة المهنية، وحسبنا في هذا المقام، أن نذكر فقط، وبكثير من التركيز والاختصار، كيف كان يربط في تاريخ المغرب بين الماضي الحاضر، بين السياسية والإعلام،  ويكفي بهذا الصدد التذكير بما كتبه عن رسالة الفقيه البصري وتداعياتها زمن حكومة التناوب  على الصحافة والإعلام (ص174-177…). وعن جرأة  محمد الأشعري في الصدح بوضعية  حرية الصحافة وواقع السمعي البصري (ص240) وشجاعة العربي المساري في طلب إعلام الحقيقة (ص239)… والتذكير بمواقف  المهدي بنبركة من الصحافة، وآراء علال الفاسي منها، ومسيرة عبد الرحمان اليوسفي الصحافية والسياسية، وأدوار عبد الكريم غلاب، وقيم محمد الحيحي، واستقلالية عبد الرحمن بوعبيد، ورهان المصداقية مع  يونس مجاهد، ومحنة حسن أوريد  (وعندي فيها نظر، أشير إلى مقال سابق للاستئناس في الموضوع، بعنوان: الحق في اليأس، أو حسن أوريد والبوح الديبلوماسي)…

وقد تمت معالجة هذه القضايا الكثيرة التي يصعب الإحاطة بها من منظور الصحافة والإعلام، كما تمت كذلك بكثير من الهم التربوي والبيداغوجي ونوستالجيا “الزمن الجميل”. من مظاهر ذلك إرفاقه مقالات كتاب الحفريات، بصور توضيحية،  ورموز تفسيرية ووثائق تاريخية، وتزينها برسوم وعلامات وشاشات، وخطوط وعناوين تدل على مضمون المقال وتشهد له، فضلا عن ملحق حوارات مقتطفة من حوارات حصرية لجيل التأسيس والاستمرارية. في مجال الصحافة والإعلام عموما…

مع كل ذلك، يصعب على القارئ مثلي أن يستوعب كل ما ورد في كتاب حفريات صحفية، ويتمثل كل القضايا والأحداث والمواقف والرؤى التي تعرض إليها، باليسر المطلوب، أو بالأحرى أن يجد له خيطا ناظما يجعله بوصلة في طريق القراءة والتحليل واستخلاص ما يجب. ومع ذلك، أعتقد أن سؤال الانتقال قد يكون الخيط الرفيع الذي يخترق الكتاب، بطريقة أو بأخرى. وإليكم مسوغات ادعائي وحجج زعمي للتأمل والتقويم…

  1. محاورة Phèdre وحكاية أفلاطون، أو  سؤال الانتقال من الورقي أو الكتابي إلى الرقمي

يتحدث أفلاطون في محاورته الشهيرة: فيدروس، عن موضوعات كثيرة من أهمها: الحب والخطابة ثم الكتابة. أما الحب بأنواعه وأثره على النفس البشرية فليس هذا مجال البسط فيه، وسياق التطرق إليه، أما الخطابة، بما هي ” فن قيادة النفوسPsyehagogie” (ص85 من فيدروس)، فممارسة ديمقراطية عريقة، تختلف باختلاف فضاءات ممارستها، وكفاءة ممارسيها، سواء  وعى آليات تأثيرها أو لم يعيها، وإن كانت لا تعنينا في هذا الصدد ، أما الكتابة أو اختـراع الكتابة، فصلتها وطيدة بكتاب الحفريات لجمال المحافظ. وأعتقد أنه يدخل في إطار سؤال الانتقال من براديكم إلى برادكم آخر، وإنجاز  قطيعة من زمن ثقافي ومعرفي إلى آخر… إنه انتقال “نوعي” ،… من حال… إلى حال مختلف تماما.... من الشفوي بتحولاته إلى الكتابي بحقائقه الثابتة.

في محاورة فيدروس يحكي أفلاطون حكاية اختراع الكتابة، وحصول الانتقال من طور الشفاهية إلى طور الكتابة. فقد كان عصرئذ الملك تاموز ((Thamous يحكم مصر كلها. ذات مرة جاءه الإله تحوت، أول من اكتشف “علم العدد والحساب والهندسة والفلك، وكذلك النرد والزهر”(ص109) فضلا عن اكتشافه للحروف الأبجدية أو الكتابة وعرضها عليه ليفيد بها عامة المصريين،  قائلا:” هناك أيها الملك معرفة ستجعل المصريين أحكم وأكثر قدرة على التذكر، لقد اكتشفت سر الحكمة والتذكر”(ص110). فأجاب الملك:”… هذا الاختراع سينتهي بمن سيعلمونه إلى ضعف التذكر لأنهم سيتوقفون عن تمرين ذاكرتهم حين يعتمدون على المكتوب”(ص110). لقد رفض الملك الكتابة لأنها تنبه فقط الذاكرة الضعيفة، وتسترجع ما قد سبق، وتكتفي بمظهر الحقيقة لا الحقيقة نفسها، وتنفع حين يبلغ المرء الشيخوخة ذات النسيان”(ص113 ). الكتابة مجرد شبح عن الواقع. ولذلك دعا الملك إلى” تدميرها والقضاء على آثارها. فقد تشكل هذه التقنية الجديدة، في نظره،  خطرا على مستقبل البشرية، وعلى قدرتها على الاستمرار في  تخزين المعارف بالقوة نفسها التي للذاكرة. فهي من جهة تجمد الفكر وتشل حركته وتأسره في علامات خرساء لا يمكنه الخلاص منه أبدا، وستقوم من جهة ثانية، مقام الذاكرة.. (بنكراد، وهج المعاني، ص97).. مع ذلك انتصرت الكتابة أي “الذاكرة والمكتوب والمطبوع  والمُخزن في مكتبات  ومستودعات الكتب وفي رؤوس الكائنات الإنسانية”(ص98، بنكراد)، وانهزمت إرادة الملك تاموز، على الأقل إلى حين، لما رفض الهدية(الكتابة)، قائلا: “إن الكتابة هي في الواقع عدو المعرفة الحقيقية، لأن الخطاب الصحيح هو الذي يبلغ شفهيا، القادر على نقش على روح المستمع، في حين أن الكلمة المكتوبة تبقى ثابتة في سكون وصمت دائم”. فهل صدقت نبوءة الملك لما بدأت بوادر نهاية الكتابة على الورق بحرارتها، وبدأت معالم اجتياح الكتابة الرقمية وانتصار التقنيات الافتراضية، والإسناد الإليكتروني البارد، فحصل بذلك الانتقال من  إكراهات الكتابة على الحجر واللوح والسعف  قبل الورق  إلى  سند متشعب بروابط لا متناهية  

كان زمن المجلة الحائطية “زمنا جميلا”، بالنسبة للرفيق جمال المحافظ(ص141)، زمن الطفولة والطهر والصدق والأمانة، والمنافسة والجرأة والشجاعة والتفاني  والوطنية والتضحيات، وغيرها من القيم النبيلة، ربما التي بدأت تتحلل بتحلل شروط إنتاجها. وكانت الكتابة واختراع الرسوم والألوان والأشكال والخطوط البهية على المجلة الحائطية، وكان التواصل والإخبار والتثقيف والترفيه والحوار والنقاش في قضايا الوطن، والأمة والإنسانية…كانت الكتابة على المجلة الحائطية بخط اليد…خط اليد برعشاته وتدفقاته وذبذباته …

 غير أن التاريخ ماكر، وتلك حكمته وطبيعته، إذ وصل الإنسان في مسار تطوره العلمي والمعرفي إلى مرحلة تدمير الكتابة واللغة والذاكرة مذ اكتشف آلة افتراضية صماء عمياء بلا قلب ولا روح، وبمجرد اختـراعه الأنترنيت والفضاء الافتراضي الأزرق والوسائط الاجتماعية... إنه انتقال من المجلة الحائطية بحروفها وألوانها وأبجديتها، ووعيها الجماعي… إلى حائط فايس بوك، نسبح فيه دون رقيب ولا حدود، ودون حرارة ولا دفء…

لقد عممت التقنيات الافتراضية، وأصبح الأنترنيت وسيطا مفضلا ليس فقط عند “الطالب والباحث والتاجر والصانع والطبيب والطباخ والمخبر والإرهابي والطفل الصغير ..”‘(ص98/99 بنكراد، وهج المعاني)، بل وعند الصحافي والإعلامي كذلك، مما عجل بانتهاء أشكال التواصل والاتصال القديمة، في مقدمتها الكتابة والطباعة على الحجر واللوح والورق، وحلول زمن وسائط جديدة ” لم تعد مجرد سند تقني لتوفير خدمات في الثقافة والمعرفة والمعلومة والاقتصاد والجنس والحرب والتجسس..” كان وراء إعلان نهاية زمن وبداية آخر، نهاية المجلة الحائطية “نوستالجيا جيل وقصة موت غير معلن”(ص143)، وبداية  تسونامي الفايس بوك، وفتوحاته المتسللة إلى حياتنا الفردية والجماعية، إلى الصحافة والإعلام، إلى السياسة والمجتمع، فالاقتصاد والثقافة…  

إنها سيرورة الانتقال البشري ومسار سيرتها على امتداد التاريخ، ومرحلة من مراحل مراقيها في سلم التطور:  من مرحلة الشفهي، أي من ثقافة حاسة الأذن، وما تقتضيه من مباشرة وقرب واتصال، وحفظ ونقل وذاكرة، وتاريخ وسرد ورواية، والسمع ومحافظة، والوثوقية وتقليد إلى مرحلة الكتابي،  والانتقال إلى ثقافة العين، بما هي حاسة الابتعاد والانفصال، وتفكير ونقد وتأويل …( عبد السلام بنعبد العالي إلى الكتابي، ثقافة الأذن وثقافة العين، ص7-8 ) على غرار المجلة الحائطية ومتطلباتها وخصوصيتها… فمرحلة الانتقال إلى الافتراضي، أي إلى مرحلة لا هي بالشفهية، ولا بالكتابية، بقدر ما هي مرحلة بسند افتراضي آلي هجين، وبلا ضفاف، كما حائط الفايس بوك، وباقي الوسائط الاجتماعية، والشبكة العنكبوتية.. وما يترتب عنها من ثقافة جديدة وكاسحة على الأذن والعين والزمان والمكان والفضاء، والذاكرة والذات والآخر والمجتمع والواقع والعزلة والعري والصحافة والإعلام والتواصل…أما مرحلة الانتقال الرابع والمرتقب منها، فعلمها عند الله… والله أعلم./.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى