فن ومشاهير

السينما المغربية بين التهافت على الفهم التافه و إدعاء الفهم بغير أدوات معرفية

الكاتب : هشام الودغيري

تزاحم الأسماء الكبيرة وحضورها بدون وازع فكري/ نقدي، وكثرة الاستشهادات المقتطعة من سياقات متباينة، لا يعني بالضرورة ان الكتاب مهم، وان صاحبه يفهم في السينما وثقافتها.

اقدم هنا مقالة مكتوبة بكثير من الشجاعة والوعي المعرفي، بقلم الإعلامي هشام الودغيري، مقالة تعري واقع النقد المفترى عليه من طرف من لا يفهم في السينما الا من حيث كونها أكل عيش.

السينمانا المغربية، بين التهافت على الفهم التافه، وإدعاء الفهم بغير أدوات معرفية.

أو، من هول سوء الفهم الكبير إلى هُراء “فن فهم السينما”.

 تنبيه: هذه المقالة موجهة أساسا للسينيفليين والأكاديميين.

من بين المعضلات الكبيرة والمزمنة والمكرسة عندنا هنا بالمغرب، هي هيمنة مجموعة من المُدَّعين والمدعيات على حقول معرفية، بغير وجه حق، لا علمي ولا معرفي، وقد يتجاوز الأمر إلى حقول أدبية وفنية أخرى من قبيل الأدب الروائي والسينما.
هنا أسوق مِثال التنظير في وبالنقد السينمائي، حيث وقع بين يدي مؤلف “فن فهم السينما – بين اللغة والنظرية”.1.، وذلك باعتبار تتبعي الشأن السينمائي المغربي، وكل ما يجري حوله من إنتاج صناعي ونقدي وسياسة حكومية بشأنه، وذلك منذ عقود.
وكانت بنيتي كتابة مقالة نقدية بنيوية عنه، لكن لهول دناءة مستوى ما قُدم بالكتاب لدرجة لا تليق، مثلا، ب”الدرس السينمائي” في مستواه التحضيري/المدخلي، ولكثرة اختلاط/خلط النظريات على الكاتب، خصوصا عندما يتم بثرها من سياقها التحليلي ونسقها المعرفي التي أتت به في نصها الأصلي (لغة ومنهجا)، ارتأيت بسط بعض مكامن الهراء المعرفي التي أتى به، في باب ترجمة النصوص من مراجعها الأصلية خاصة المكتوبة باللغة الفرنسية.
هذا، وقد أتى المؤلف/المنشور (المفتري على “النقد السينمائي”) بعرمرم من تعريفات وإحالات لنظريات غربية جلها مُتجاوزة علميا وتاريخيا، ومن حيث استنتاجات كاتبه، بناء على سوء فهمه العميق للترجمة إلى العربية، وإقحامه التعسفي لأطروحات نظرية خارجة عن مجالها المعرفي ومجانبة لموضوعها النقدي/التحليلي في أصلها.
وما مَرَدُّ ذلك، بنظري، إلا للضعف الذريع في ترجمة النصوص الأصلية، التي شَوَّهت الأصل، وأفرغت الطرح النقدي “المُفترض” من غاية بسطه التحليلي والديداكتيكي، وبدعة نشره كمرجع أكاديمي كما ادعى الكاتب: ل”مقاسمة عشق السينما بين الطلبة والأساتذة والباحثون والنقاد، لأن تعلم السينما وفهمها، لا يتحقق إلا من خلال مشاهدة أفلام السينمائيين الكبار وتحليلها وقراءتها”.2.
ولهشاشة محتوى الكتاب، إلى درجة انعدام طرح نقدي مفاهيمي خاص ومُجدد به، على حد منطوق عنوان المنشور “فن فهم السينما – بين اللغة والنظرية””، لا يمكنني البتة تفصيل السيل الواااافر من الهراء الذي ورد بالمؤلف إياه (وستكون مضيعة للجهد والوقت لي وللقارئ)، وسأقتصر على جرد بعض المغالطات التي وقع فيها الكاتب، وذلك عبر تبيان إقراره المُغالِط لمعطيات ومفاهيم استشْهد بها في بسط نثره الإنشائي الركيك.
وواقع الحال، هو تأكدي التام والجازم، بجهل الكاتب (الأستاذ/الناقد/الدكتور) الكلي لفهم واستيعاب النصوص المرجعية التي ارتكز عليها، ودليلي القاطع هو تخبطه المعرفي والتربوي في فهم روح النصوص المرجعية وترجمته لها (أو تُرجمت له) المجانبة للصواب ومنطق البناء اللغوي، وحتى العم غوغل يفيد بأحسن منها في كثير من الحالات.

🖍️وعليه أسوق أمثلة، هكذا تبعا تسلسل ترقيم الكتاب.

-ص 10: يُفتتح الكتاب بمقولة للشاعر والروائي والفيلسوف الموسوعي الألماني نوڤاليس Novalis (1772-1802) “سأرشدك بكل فرح إلي الجانب التقني لفننا وسنقرأ معًا أروع النصوص”، وهي جملة مأثورة نجدها في عدة كتب وبحوث أكاديمية حول فن الكتابة الروائية أتت في الصيغة الفرنسية عن جان ريكاردو Jean Ricardou في نص “نحو رواية نصية جديدة -Vers un Nouveau Roman textuel” كالتالي: “Je vous instruirai avec plaisir de la partie technique de notre art et nous lirons ensemble les écrits les plus remarquables”. ومن خلال الترجمة التي أتى بها الأستاذ/الناقد/الدكتور، فشتان بين “الإرشاد” و”التعليم”، هذا بغظ النظر عن النسق العام لجملة نوڤاليس Novalis والمرجعية الدينية لطرحه، التي كانت سائدة في عصره، فالمقولة تحيل قصدا للكتاب المقدس ب”العهد القديم” في سفر المزامير 32 إصحاح 8: “أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ. عَيْنِي عَلَيْكَ”.

-ص 14: بالمقدمة إحالة على مقولة لفيلسوف السينما السويسري جون لوك ݣودار Jean-Luc Godard “عندما تُصور المرئي فأنت تصنع التلفزيون، وعندما تصور اللامرئي فأنت تصنع السينما”، وهي إحالة بترجمة مشوَّهة مقطوعة من سياقها حيث هي طرح نظري في نهج بحثي عن “المرئي واللامرئي – Le visible et l’invisible” للفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-پونتي Maurice Merleau-Ponty، تبناه ݣودار وطوَّره انطلاقا من قراءات نقدية لأفلامه، خاصة لفيلم “وا أسفي علَيْ – Hélas pour moi” إنتاج 1993. وهي ترجمة هجينة، إذ النص الفرنسي هو: “Il y a le visible et l’invisible. Si vous ne filmez que le visible, c’est un téléfilm que vous faites.” ، ولست أدري من أين أتى الكاتب بالنص العربي المذكور أعلاه، خصوصا والمراد من نشر الكتاب هو أن يكون مرجعا أكاديميا، في حين يفتقد لصفحة المراجع، والترجمة إلى العربية أعلاه أفقدت المعنى وفحواه؟

-ص 14 أيضا : إحالة على موريس ميرلو-پونتي (1908-1961) “ليس اللامرئي شيئا ننتظر حضوره، إن اللامرئي موجود أمامنا لكننا لا نعرف كيف ندركه لنراه”، وهذه الترجمة التي لم أجد لها أثر مرجعي، هي خروج واضح عن سياق طرح موريس (إذا قبلناها) الذي استنتجه من تحليله لمفاهيم اللاوعي عند فرويد حيث قال “الإدراك هو اللاوعي”، وذاك في إطار عدة بحوث فينومونولوجية حول “أولية الإدراك الحسي ونتائجه الفلسفية” ؛ هاذا الطرح الذي تُجووِز معرفيا في إطار نظريات “ما بعد الحداثة”، مثلا مع جون-فرانسوا ليوطار Jean-François Lyotard والنص الأصلي هو: “nous n’attendons pas pour dire que la chose est là de l’avoir observée ; c’est au contraire son aspect de chose qui nous convainc aussitôt qu’il serait possible de l’observer” ص 107 من كتاب “المرئي واللامرئي “.3. (انظر الصورة 2).
لذا أتسائل، من أين أتى الكاتب بنص هذه الإحالة، وعلى أي قاموس اعتمد في ترجمته أو فهمه لنص موريس، الذي في جميع الحالات هو مقطوع من نسقه الذي يجادل فيه موريس الفيلسوف الفرنسي الوجودي جون-پول سارتر في مقابلة مع نظريته المعروفة حول “العدم والوجود”.
وأستغرب لعدم رجوع المؤلف إلى ترجمة الباحث التونسي عبد العزيز العيادي لكتاب موريس، التي أتت كالتالي: “فنحن لا ننتظر لنقول إن الشيء هناك لأنّا لاحظناه؛ بل العكس من ذلك، مظهره كشيء هو الذي يقنعنا في الحال أنّه قد يكون من الممكن ملاحظته”، ص 147، عن منشورات المنظمة العربية للترجمة، سنة 2008.

-ص 14 كذلك: ولا داعي للمرور إلى متن الجاحظ في “رسائل الجاحظ” حي استشهد الكاتب بمقطع من الرسالة الرابعة عشرة من “كتاب القيان” وهو في باب النظر إلى النساء هل حرام أم حلال، وهل الغناء حرام أم حلال، (و”القينة” هي الجارية الصانعة من زيانة أو مغنية). وهي استعارة بعيدة عن نسقها، وبها خطأ مطبعي أفقد حتى معناها حيث أتت “الحسن” في الجملة بدون نون والأصل هو “ولا يقف على ذلك أيضاً إلاّ الثاقب في نظره، الماهر في بصره، الطَّبُّ بصناعته؛ فإنّ أمر الحسن أدقُّ وأرقُّ من أن يدركه كلُّ من أبصره”.

-ص 16: تذكير بمقولة لهنري لونچلوا Henri Langlois: “في معاهد السينما، نكون مساعدين تقنيين وفي السينماتيك نكون مخرجين سينمائيين”، وفي غياب ذكر مرجعها، ولعدم عثوري عليها في كتب عن ولِ لونچلوا، أكاد أجزم بأنها مُفبركة من فهم خيالي المؤلف لعمل هنري لونچلوا.

-ص 21: استشهاد بنص من كتاب “العهد القديم” بسفر التكوين إصحاح 26 “قال الرب: “لنخلق الإنسان على صورتنا وعلى شبهنا”. ويضيف “وتعني الصورة في هذه المقولة الإنجيلية…”.
ولن أعلق على الترجمة، لكونها غير تابتة في معظم الترجمات، ولكن ردها للإنجيل خطأ، وربطها بالديانة المسيحية هو تحريف وتشويه. وقد ذُكر مقابلها في “القرآن” الكريم بسورة الأعراف، آية 11 “.. وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ..”، عكس مقابلة الكاتب لها بسورة التغابن آية 3 “.. وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُ..”، ويورد خطأ كونها الآية السادسة وهي الثالثة، إضافة على أنها لا تفد معنى بسط الكاتب نفسه، ولا فهم مقابلاتها بالنص التوراتي.

-ص 27: استشهاد بمقولة لجان ميتريJean Mitry : “عندما أفكر أنا بكرسي، فأنا لا أستهدف “صورة-كرسيا”، عبر الذاكرة التي لدي عنه، إنني لا أستهدف صورة معترفا بها بصفتها هذه، كما إنني لا أستهدف واقعا معترفا به بصفته واقعا، بل استهدف واقعا معطى في صورة، والمقصود: الكرسي الواقعي المعترف به بأنه غائب …”، ويحيل الكاتب النص إلى “المدخل إلى علم الجمال وعلم نفس السينما” دون الإشارة إلى الناشر وسنة النشر ولا هل هو ترجمة أو نصا أصليا ولا إلى الصفحة؟؟؟
ومؤلف ميتري هو “Esthétique et psychologie du cinéma” .4. عن منشورات CERF سنة 2001، وما الفقرة المعنونة ب «الصورة الذهنية” بكتاب فن فهم السينما” (ص: 25) إلا استنساخا شبه حرفي ومُحرَّف من كتاب ميتري، والجملة التي ساقها ووضعها الكاتب بين قوسين ونسبها لمتري أتت في الترجمة الإنجليزية كالتالي: “Consciousness can never visualize pure nothingness. Thus we can state, at least provisionally, that when I think of a chair, I do not visualize an “image-chair,” retained by my memory, but the chair itself, the “reality-chair,” via my memory of it. I am not seeing an image recognized as such any more than a reality recognized as such, but a reality presented as an image, i.e., a real chair recognized as absent.” وهو في ذلك غير مدرك كون ميتري يجادل فيها سارتر في مسألة “الصورة ليست محاكاة” التي بسط فكرتها حول “الكرسي” قبل ميتري، في كتابه “L’Imaginaire” الصادر سنة 1940 عن دارGallimard . (انظر الصورة 3).

-ص 28 و29 : يورد المخرج السينمائي أندري طاركوڤسكي ومؤلفه “الزمن المختوم Le Temps scellé” في فصل عنونه “الصورة الشعرية” حيث ذ كر التالي: “كل ما يمكن أن أقوله وبكل بساطة هو أن الصورة الفنية تنحى نحو اللانهائي، وتؤدي إلى المطلق، كما أن ما يمكن أن نسميه فكرة الصورة بكل تنوعها وأوجهها ودلالاتها، لا توجد في الكلمات بل في وحده الفن في تطبيقه، قادر أن يعطيها التعبير، فعندما تعبر الفكرة عبر الصورة الفنية، فمعنى هذا أنها وجدت الشكل الفريد الذي يترجم بقدر أقرب عالم المؤلف وبحثه المثالي”، دون ذكر مصدر الترجمة ولا دار النشر ولا رقم الصفحة.
وبالعودة إلى كتاب طاركوڤسكي نجد نص الإحالة بمقدمة الفصل “من الصورة للسينما”، وكم هو شاسع الفرق بين بسط فكرة طاركوڤسكي عن “الصورة الفنية” في إطار فينومونولوجي، وفصل “الصورة الشعرية / تكوين الظهور الجمالي للأشياء” التي حاول شرحها الكاتب، في انفصام تام عن نسق الإحالة، وترجمة عرجاء، وتحريف بين لمراد طاركوڤسكي في محاولة عرضه لنظام الصورةsystème d’image لا علاقة له بالصورة الشعرية منهجيا.
النص الأصلي الفرنسي هو: “Tout ce que je peux dire, simplement, est que l’image tend à l’infini, qu’elle mène à l’absolu. Et même ce qu’on peut appeler l’idée de l’image, avec toute la multiplicité de ses aspects et de ses significations, ne se retrouve pas dans des mots. Seul l’art, en pratique, lui donne une expression. Et quand la pensée s’exprime à travers une image artistique, c’est qu’il a été trouvé la forme unique qui traduit au plus près le monde de l’auteur et sa quête d’idéal. » (انظر الصورة 4).

-ص 29 : يأتي المؤلف وبشكل منفصل عن ما سبق ذكره بخصوص طاركوڤسكي ليلقي بالقارئ في مقولة لجان إيڤ تاديي Jean-Yves Tadié : “أن كل محك هو بشكل ما شعر، وأن كل شعر هو بشكل ما محك”، في حين يُعرف تاديي بواسطة دراسته النقدية “السرد (المحكي) الشعري – Le récit poétique”، عن منشورات غاليمار، سنة 1994 (صدرت أول طبعة سنة 1978)، والتي بواسطتها أظهر فرضية وجود “نوع أدبي مستقل” ألا وهو “السرد الشعري”، ناهيك على كون تاديي هو مختص في أعمال الروائي الفرنسي مارسيل پروست، والأمر هذا لا علاقة له بالسينما إلا من باب الاستئناس فقط.
ولست أدرى من أين أتى الكاتب بهذه الجملة/المقولة لتاديي، فلا وجود لها نصيا بكتابه، عدا استنتاج بمقدمة “السرد الشعري” بالصفحة 6، حيث يشير في إطار اعتماد تاديي على رومان جاكوبسونRaman Jakobson ويذكر مقالة له بكتابه “مقالات في اللغويات العامة” إصدار سنة 1963، إلى “Tout roman est, si peu que ce soit, poème; tout poème est, à quelque degré récit. C’est ce que voudrait montrer cette analyse du «récit poétique».” (انظر الصورة 5).

وفي نفس الصفحة يُترجم (L’indicible) ب”اللايقال”، فكيف يصبح الغير موصوف (لا يوصف) غير مقول (لا يُقال)؟؟ وربما كان يقصد le non-dit.

-ص 31: يستشهد الكاتب بݣاستون باشلارGaston Bachelard: “إن الصورة الشعرية توضح قدرتنا على استعادة الدهشة الساذجة التي كنا نشعر بها حين نعثر على عش”، ويرجعها إلى مؤلف باشلار “شعرية الفضاء” .5.، وبالرجوع إليه نجده في الفصل 4 تحت عنوان “العش” وفي الصفحة 120 يبسط نظريته باستعمال مثال صُور العش، ومدى “تسرعنا في جعل شيء فقير/حقير في صورة إنسانية، صورة إنسان”.
والنص أعلاه لا وجود له، وهو مجرد استنتاج لا علاقة له بتحليل باشلار حيث يقول: “La phénoménologie philosophique du nid commencerait si nous pouvions élucider l’intérêt que nous prenons en feuilletant un album de nids, ou, plus radicalement encore, si nous pouvions retrouver notre naïf émerveillement quand jadis nous découvrions un nid. Cet émerveillement ne s’use pas. Découvrir un nid nous renvoie à notre enfance, à une enfance.” (انظر الصورة 6).
ولن أعلق على هرطقة الكاتب بخصوص “موناد” لليبنيزLeibniz ، (كتبها المؤلف” ب”لابيتر”) وهي في نسق ميتافيزيقي حول فلسفةla Monadologie في بعدها الروحانيSpirituel ، وهو لعمري أمر مضحك/مبكي.

-ص 35 و36: يسرد المؤلف قراءته لكتاب طاركوڤسكي “الزمن المختوم” .6. دون إحالة ايضا على المرجع أو الصفحة، ويورد شعر هايكو كما أتى به نص طاركوڤسكي:
“الغدير القديم
يقفز الضفدع
صوت الماء”
والنص المترجم الأصلي هو:
“Un vieil étang
Une grenouille plonge
Le bruit de l’eau” (انظر الصورة 7).
ثم ينط إلى فقرة أخرى سابقة بها شعر هايكو، طاركوڤسكي نفسه يحيله في تحليله للزمن في السينما إلى المخرج الروسي الشهير إيزنشتاين :
“صمت في الحقل
طارت الفراشة
حطت الفراشة”
وفي النص الأصلي: ” Si le temps surgit au cinéma dans la forme du fait, celui-ci ne peut se révéler autrement que par son observation directe. L’observation, en effet, est l’élément de base du cinéma : elle le pénètre jusqu’à sa moindre cellule. Nous connaissons la forme traditionnelle de l’ancienne poésie japonaise, le haïkaï. Serguei Eisenstein citait ainsi quelque haïku :
Un vieux monastère
Un clair de lune glacé
Un loup qui hurle
Silence des champs
Le papillon qui vole
Il s’est endormi »
Extrait de “Le Temps scellé”.
وأترككم تبيان هذيان الترجمة والتطاول عليها من طرف الكاتب، فالبِركة أصبحت “غديرا”، والغوص “قفزا”، والحقول “حقلا”، وتطِير “طارت”، ونام “حط”. (انظر الصورة 8).

-ص 44: يستشهد المؤلف بمقالة لكريستيان ميتزChristian Metz ، ويُعنونها ب “السينما “لغة ام خطاب””، وبالرجوع للمقالة في نصها الفرنسي نجد عنونتها بالتاليle cinéma: langue ou langage وهي مقالة ضمن مجلةCommunications عدد 4 لسنة 1964، صادرة عن المدرسة التطبيقية للدراسات العليا بباريز.
ومقالة ميتز تلك تدور حول المونتاج كلغة، ولا يعتمد في طرحه على دو سوسيرFerdinand de Saussure كما أتى بالصفحة، إذ ميتز أحال في مقالته على فيردينان دو سوسير فقط لتحديد مفهوم اللغة كمُعطى، وكون دو سوسير هو حجة في علم اللسانيات، وليس لبسط طرحه العام الذي يخص المونتاج كلغة.
ونص دو سوسير المذكور “أن اللغة منظومة من الإشارات تعبر عن أفكار …” هو مأخوذ من مؤلفهCours de la linguistique” générale” ص 22، عن دار نشرÉtudes et documents Payot ، سنة 1971، وليس البتة من مقالة ميتز. (انظر الصورة 9).

-ص 46 و47: يستشهد الكاتب بقول پازولينيPier Paolo Pasolini : “لماذا انتقلت من الادب الي السينما لكي اغير التقنية
لأني كنت في حاجة الي تقنية جديدة
أو على العكس من ذلك لأنني بدأت اكرر نفسي،…”
دون تحديد مرجعها، وهي تعود لحوار متخيل لبازوليني في قالب شعري يبرر فيه تخليه عن متابعة كتابة مؤلف له بدأه سنة 1959، والمرجع هو “شاعر الرمادil Poeta delle Ceneri”، نشر من طرفEnzo Siciliano بالمجلة الأدبية الإيطالية “Nuovi Argomenti” 67/68، 1980.
والمقطع الذي استشهد به المؤلف هو في الحقيقة تبرير بازوليني تخليه (المؤقت) عن الكتابة الأدبية من أجل الكتابة بالسينما، بالتالي لا يمكن الأخذ به ك”أطروحة حول وضع لغة سمعية بصرية للسينما” ص 50 من “فن فيم السينما”، بالإضافة لكون بازوليني هو فنان مزاجي متقلب في بحث دائم بين الشعر والرواية والمسرح والسينما والرسم.
وهذا هو النص الأصلي الذي اقتطع منه الكاتب لتبرير فهمه الأحادي/الخاطئ لفكرة پازوليني، وهي ترجمة للعم غوغل عن الإيطالية:
“في عام 1960، قمت بتصوير فيلمي الأول
بعنوان “أكاتوني”.
لماذا انتقلت من الأدب إلى السينما؟
هذا، في الأسئلة التي يمكن التنبؤ بها في المقابلة،
سؤال لا مفر منه، وكان كذلك.
كنت أجيب دائمًا أن الأمر يتعلق بتغيير التقنية،
وأنني بحاجة إلى تقنية جديد لأقول شيئًا جديدًا،
أو على العكس من ذلك، أنني دائمًا ما أقول نفس الشيء، وبالتالي
كان عليّ تغيير التقنية: وفقًا لاختلافات الهوس.
لكنني كنت صادقًا جزئيًا فقط في إعطاء هذه الإجابة:
وكانت الحقيقة فيما فعلته حتى ذلك الحين.
ثم أدركت
أنها ليست تقنية أدبية، تكاد
تنتمي إلى نفس اللغة التي يكتب بها المرء:
ولكنها في حد ذاتها لغة…
ثم قلت الأسباب الغامضة
التي حكمت اختياري:
كم مرة غضبت وغضبت
قلت بتهور أنني أريد التخلي عن جنسيتي الإيطالية!
حسنًا، من خلال التخلي عن اللغة الإيطالية ومعها
شيئًا فشيئًا، الأدب،
لقد تخليت عن جنسيتي.”
منشور بموقع storiaglocale.com . (انظر الصورة 10).

-ص 51: يورد الكاتب رد پازوليني على ميتز “والذي شارك فيه كل من رولان بارت وأمبرتو إيكو”، دون ذكر لمرجع النص، وهو مأخوذ من محاضرة ألقاها پازوليني سنة 1965 في المهرجان الأول للسينما الجديدة ببيزاروPesaro، ونشرت تحت عنوان “سينما الشعرLe cinéma de poésie ب L’Expérience hérétique عن منشورات Ramsay Poche Cinéma سنة 1989 بباريز.
“إن الخلاف بيني وبين ميتز يظهر عميقا، ولكن يمكن تجاوزه ويمكن التفاهم بيننا في المنطقة التي يسمح لنا بها مفهوم “الخطاب”. الذي اقترحه إريك بويسنس في محاولته الفكرية “اللغات والخطاب”.
والترجمة الإنجليزية لبان لاوطون ولويز ك. بارنيط Ben Lawton and Louise K. Barnett عن منشورات New Academia Publishing – Washington, DC سنة 2005، تظهر جليا بثر الترجمة عن نسقها التحليلي، بالتالي سلخها عن قصدها:
” The disagreement between Metz and myself appears to be deep but perhaps not incurable: perhaps reconciliation is possible on the common ground offered by the concept of “discourse” furnished by Buyssens, “Les langages et Ie discours,” which I find cited by Metz but which I have yet to read firsthand.2 Perhaps the “substance” he speaks of has something in common with the “language of action, or reality itself” to which I alluded above, and which is therefore given as “something linguistic” which is not, however, either “langue” or “parole.” ص 199.
وهذا الاستشهاد وما يليه من تحليل حول “أطروحة بازوليني” و”الخطاب السينمائي عند بازوليني”، مع تقديم معارضات أمبرتو إيكو وجان متري، هي كلها في غير محلها، وفي غير نسقها لكون الكاتب ينطلق من ترجماته الفريدة والخاصة به، ومن مفاهيمه البعيدة عن أصل أفكار أصحابها الاصليين، حيث يتوسع في جرد مصطلحات وتعابير ك”التمفصل المزدوج”، و”سذاجة سيمولوجية فريدة”، و”كتابة جديدة” دون تفسيرها وتحديد وضعها في سياقها.
في حين، وبالرجوع لنص پازوليني، نجده مُكملا لبارت وميتز وإيكو معرفيا، لكونه من أحد مهندسي/مؤسسي سيميولوجيا السينما، وأول من أطلق فكرة “سينما الشعر”. فپازوليتي في محاضرته المذكورة أعلاه طور مفهوم “صورة العلامة – l’Im-segno” انطلاقا من كون هناك علامات في الواقع، قبل تسجيلها سينمائيا، وهي قابلة للتحليل السيميائيsémiotique ؛ وهناك أشكال وأشياء وأفعال الواقع الموجودة داخل الصورة السينمائية، وبالتالي يطور مفهوم “الخطاب الحر الغير مباشرdiscours indirect libre” في السينما …
ويستنتج المؤلف، عبر خلط عرمرم من التعاريف ونقيدها، بمقولة لروبيرتو روسيليني “”الكلية الفنية” التي تدفع إلى اكتساب لغة الفن، فيصبح بذلك “خطابا فيلما” أو “خطابا مصورا”” ص 53 من “فن فهم السينما”، هاربا (أو جاهلا) في ذلك من تقديم رؤية نظره هو للقارئ، هو “الكاتب، والناقد، والأستاذ الدكتور في الجماليات”، بعد تشتيته/تهشيمه لمفاهيم وترجمات مقولات ونصوص وتعاريف، دون منهجية بسط أفكار، ولا منطق عرض تحليلي ولا دفع نظري مؤسس أكاديميا. (انظر الصورة 11).

-ص 154: ولكون صاحب الكتاب مختص في “علم الجماليات”، وفي حديثه عن “الشكلانيون الروس: بويطيقا السينما”، أيla poétique يورد إفادة بأسفل الصفحة: “نفضل تعريف المفهوم عوض ترجمته “بالشعرية” نظرا لما تطرحه كلمة “الشعرية” من التباس يعود بها غالبا إلى الشعر، في حين أن “البويطيقا” تعني مجموع القواعد والقوانين الضابطة لبناء وتكوين العمل الفني.”
وهو لعمري قمة سوء الفهم، وضرب لمصداقية المعرفة بتاريخ النظريات والأفكار، فكيف ل”البويطيقا la poétique” وهي مجموعة أفكار وآراء ونظريات، أصبحت “مجموع القواعد والقوانين”؟

-وأختم بمثال أخير، ص 183 : “إن أزمة السينما فكرية أكثر منها جمالية وأسوء ما في مسألة الإنتاج هو الغباء، الغباء الواضح لدرجه يتراجع معها الجدل حول الجماليات إلى المرتبة الثانية”، ويرجع الكاتب هذه المقولة إلى أندري بازان، في “ما السينما”، وهي مقالة André Bazin المعنونة بQu’est-ce que le cinéma”” عن منشورات CERF سنة 1961.
والمقولة لا وجود لها بالمقالة المذكور أعلاه، في حين نجد ما يفيدها في مقالة “La profondeur de champ et la crise du sujet en débat (1945-1949)” لجورج سادولGeorges Sadoul وبازان، صدرت بالمجلة السينمائية “1895” عدد 76 لصيف 2012، والفصول التي كتبها بازان بها تخص انحطاط السينما الأمريكية، خاصة سينما هوليود إبان الحرب العالمية الثانية.

وأكتفي بهذا القدر من الأنموذجات لأنها كثيرة، ولا تكاد صفحة بالكتاب تخلو منها، لدرجة الضجر منه ومن متابعة قراءة هراء الكاتب المدعي للمعرفة الأكاديمية والسينيفيلية. (انظر الصورة 12 بها ترجمة مضحكة/غريبة لعنوان فيلم”Sauve qui peut (la vie)” ب “وأنقذ نفسك، الحياة” بالصفحة 199).

📌🖍️🏛️وفي حديث آخر:
يقول المثل المغربي البليغ “الصطل الخاوي ديما كيقرقب”.

تمنيت لو يكون مؤلِّف الكتاب في المستوى المطلوب، لأترك له هامش الدفاع على ما اقترفه في حق النقد والتربية والعِلم، ودعوته للمجادلة والرد على ما أحصيت ضده من هرطقات هاوية، وترجمات مُشوَّهة، وتحاليل فارغة مجانبة للصواب العلمي؛ لكن هيهات والمستوى الهش ظهر، والبدعة تابتة والجريمة واضحة المعالم.
🖍️هذا مع تسجيلي فراغ الكتاب كليا من أنموذج، ولو واحد وحيد، قراءة/تحليل فيلم سينمائي يبسط فيه “فن” فهمه الغريب للسينما.
ولا يسعني الآن سوى التأسف على من كان مُغفلا ساذجا تجاه المؤلِّف هذا، وذلك لسنين خلت (فن خداع دام لأكثر من ثلاثة عقود)، وشاعت بين السينيفيليين والأكاديميين أساليبه المعسولة والمغلَّفة بخطاب شفوي، ظاهره “قبعة المعرفة الأكاديمية” وباطنه جهل بنيوي، وأمية هيكلية تشبه في ذلك “فقيه” القبور الحافظ لذكر الله عن ظهر قلب، وهو جاهل عابث للْكلِم الطيب الذي يحمله، أو ك”الدليل السياحي” المزوَر الذي يجيد النطق بلغة أجنبية، ولا هو داري بقواعدها، ولا هو مُلم بأحكامها النحوية وآدابها.
وفي المجمل، هو حكواتي (حلايقي) بارع يُضاهي حكاوتية “جامع لفنا” بحاضرة مراكش البهيجة، حيث يبدع في خطابه الشفوي المملوء بمحفوظات، عن ظهر قلب، من أقوال ونصوص جهابذة اللسانيات والفلسفات والنقد السينمائي، وغيرها من العلوم الإنسانية والاجتماعية، وما هو بعارف أو عالم بكنه ما ينطق به، غير ملكة “خطاب الدجال” على منوال خُطب الحملات الانتخابية السياسية. مع احترامي وتقديري العميق لكل حكواتي على وجه المعمورة. (انظر الڤيديو المرفق به شهادة حديثة تفيد قولي – مع الشكر لجمعية آسا للسينما والمسرح).

🛑وختاما، أدعو الناشر/الممول سحب الكتاب من المكتبات العامة، على شاكلة الشركات المُصنِّعة لمنتوج فاسد، أو تبث عطبه، فتدعو كل من ابتاع المنتوج رده للمصنًِع مقابل تعويض مادي يوازي ويفوق قيمة المنتوج المادية، للحد من شيوع أضراره بين المستهلكين.

ولا بد لي هنا التساؤل: كيف لجاهل للغة ما أن يقوم بترجمة بعض النصوص من هنا وهناك، ويبسط انطلاقا من ترجمته لتلك العنعنات، مع سوء فهم كبير لها ولسياقها، ومصحوبة بعرمرم هائل من الأخطاء الترجمية، على بسط تحليل يدعي كونه أكاديمي، ويؤلف ذلك في أسلوب بعربية ركيكة، ليخرج بكتاب أسماه “فن فهم السينما”، وهو على الأصح “سوء كبييير لفن فهم السينما”.

🖍️توقيع : هشام الودغيري
خبير إعلامي وفني وسينمائي

*مراجع:
1) “فن فهم السينما‎”، تأليف حمادي كيروم، عن منشورات “‎دار جسور الثقافة”‎ بالسعودية -2023، في 205 صفحة، وهو من إصدارات “مهرجان أفلام السعودية.
2) من تقديم الكتاب ص 16.
3) “المرئي واللامرئي – Le visible et l’invisible ” عن منشورات غاليمار Gallimard سنة 1964.
4) ص: 35 منThe Aesthetics and psychology of the cinema ترجمة Christopher King عن منشوراتIndiana University Press سنة 2000.
5) صفحة 120 و121 من La poétique de l’espace عن منشوراتPUF الطبعة الثالثة سنة 1961.
6) “الزمن المختوم Le Temps scellé” المترجم للفرنسية عن الروسية من طرف آن كيشيلوف و شارل هوبير دو برانت Anne Kichilov et Charles H. de Brantes، عن منشورات Éditions de l’Etoile ودفاتر السينما، سنة 1989.

#فن_فهم_السينما #مهرجان_أفلام_السعودية #إثراء #جمعية_السينما #جسور #هيئة_الأفلام_السعودية #مؤسسة_الدوحة_للأفلام #المركز_السينمائي_المغربي #المركز_القومي_للسينما #جمعية_المغربية_لنقاد_السينما #مهرجان_السينما_المستقلة #السينما_المغربية #العبث_السوليمائي #الجامعة_الوطنية_للأندية_السينمائية #النقد_السينمائي_العربي #الجمعية_المغربية_للبحث_الأكاديمي_في_السينما #الدرس_السبنمائي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المثمر
زر الذهاب إلى الأعلى